المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبدالله مهدى وأنموذج القصة القصيرة جدا



محمد غنيم
12-10-2003, 10:32 AM
د. محمد عبد الحليم غنيم

عبد الله مهدي وأنموذج
القصة القصيرة جداً

يلفت النظر إلى أعمال الكاتب عبد الله مهدي ميله ، بل تمسكه بنمط من القصة هو القصة القصيرة جداً ، فبين يدي للكاتب إحدى وعشرون قصة نشرها خلال الفترة من عام 1996إلى عام 2001 ، لا تتعدى القصة الواحدة منها فقرة في كتاب أو قل فقرة في قصة قصيرة عدا قصة يتيمة بعنوان " لو " وان كان يمكن عدها من القصص القصيرة جداً أيضاً .
وهنا يعن لي سؤال هل القصة مجموعة محدودة من الكلمات أو الجمل ؟ وهل عدة جمل محدودة تنتظم في خط سردي أو سرد خطي تكون ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح قصة ، بقطع النظر عن كونها قصة قصيرة أم قصة قصيرة جداً ؟ وهل هناك ما يمكن أن نطلق عليه قصة قصيرة جداً ، لأنه جاء في عدد محدود من الجمل ؛ ومن ثم يمكن أن يكون معياراً للحكم به على هذا النوع من القصص لدي عبد الله مهدي .
ضمن كتاب " إشكاليات الشكل والرؤية في القص المعاصرة " للناقد الجاد أحمد عبد الرازق أبو العلا ، هناك فصل بعنوان " القصة القصيرة جداً وإشكاليات الشكل القصصي المعاصر " استطاع فيه أن يبلور تعريفا دقيقاً لهذا النوع من القصص ، أي القصة القصيرة جداً ، مدعماً هذا التعريف بنماذج إيجابية وسلبية له ، بحيث يمكن للمبدع أو المتلقي أن يميز هذا النوع ، يقول الأستاذ أحمد عبد الرازق أبو العلا " القصة القصيرة جداً بمفهومها التقليدي ، مثلها كمثل القصة القصيرة التي تخالف في البناء والشكل الرواية الطويلة أو القصيرة فهي لا تعنى بالدخول في التفصيلات وتتخلص من الحشو ويمكن تحديد بعض مواصفاتها على النحو التالي :
أولاً : فيما يتعلق بطبيعتها تقوم على اختزال اللغة وتهتم بلحظة الكشف والاكتشاف .
ثانياً : فيما يتعلق بالبناء تعنى بوحدة الأثر مثلها كمثل القصة التقليدية ، ولكن من خلال لحظة ، وإذا كانت الحبكة بشكلها التقليدي تركز على الفعل ، فإنها في هذا الشكل تتطلب الفعل ورد الفعل والفعل فيها ليس هو الفعل الخارجي ، كما هو معتاد ، ولكنه الفعل الداخلي المعتمد على الفكرة "(1)
وهذا التعرف على وضوحه ولا نزعم دقته ، يتضمن معياراً لشكل وطبيعة القصة القصيرة جداً ، حيث تتكئ على دعامتين أساسيتين هما الاختزال أو الاقتصار ووجود فكرة محددة .
ويستدعي هذا التعريف لأبي العلا ما كتبه الباحث السوري أحمد جاسم الحسين في دراسة موسعة عن القصة القصيرة جداً ، إذ يري أن القصة القصيرة جداً تقوم على أربعة أركان أساسية هي :
القصصية .
الجرأة .
وحدة الفكر والموضوع .
التكثيف .(2)
الإيقاع القصصي .(3)
والواقع أن هذه الأركان والخصائص المميزة للقصة القصيرة جداً سواء عند أحمد جاسم الحسين أم عند أحمد عبد الرازق أبو العلا لا تخرج بنا عن مفهوم القصة القصيرة جدا – في نظرنا – هي قصة قصيرة بكل ما يعنيه هذا المصطلح من سمات يميزها في المقام الأول صغر الحجم ، وفي قراءة عبر شبكة الإنترنت قرأت عدة قصص لكاتب إنجليزي متخصص في هذا النوع عددا من القصص القصيرة جدا يحددها بعدد الكلمات ، فهناك قصص تتكون من 8كلمات وأخري تتكون من 16 كلمة وثالثة تتكون من 32كلمة وهكذا حتى تصل بعض القصص إلي ما يزيد على الألف كلمة . أما الكاتب فيدعي مستر ستا نلي بوين ، وسأقدم لكم نموذجاً لإحدى القصص التي تتكون من 32كلمة وهي قصة " إجابة على نظرية " .
"عندما تساءل الفيلسوف : إذا كان الله موجودا فلماذا تحدث الأشياء السيئة للناس الطيبين ؟
اغرورقت عينا جوشوا بالدموع وانحني مطأطأ رأسه ، ثم كتب على الأرض الجواب التالي:
ولماذا إذا يفعل الناس الطيبون تلك الأفعال القبيحة ؟ " (4)
ولا نزعم أن هذا أنموذج مثالي للقصة القصيرة جداً ، ولكن الذي يمكن أن نستخلصه منه هو تحقق خصائص محدودة فيه نعتقد أنها يمكن أن تميز القصة القصيرة جدا بشكل عام ، وهى هنا :
التركيز .
وجود فكرة جادة .
وجود بناء قصصي ، وهو قائم هنا على التقابل ، وقد يكون هذا البناء غير قائم على التقابل ، ولا يتسع المجال هنا لذكر أمثلة للبناء ، المهم هو وجود بناء قصصي.
ولعل هذه المقدمة حول القصة القصيرة قد طالت قليلا غير أن عذرنا قبل أن نتناول نصوص بر اندر ماثيوز Brander Mathews “ لا ينجح أبدا كاتب للقصة القصيرة ما لم يمتلك الأصالة والبراعة والتركيز والأهم أن يمتلك أيضا لمسة من الخيال " (5)
ومثل هذه الصفات لا يخلو منها كاتبنا عبد الله مهدي ، فثمة براعة وخيال مجنح ، وتكثيف لغوي وإيجاز في قصصه ، وكلها صفات تؤكد رسوخ هذا اللون من القص – أي القصة القصيرة جدا – عنده ، كما نراها في قصص " العفن " و " استنزاف " و " عسكر وحرامية " وبعض المشاهد من قصة " لو " التي يصلح كل مشهد منها – كما أشرت من قبل – أن يكون قصة وحده ، غير أن ثمة قصص لكاتبنا يصعب أن نضعها في خانة القصة القصيرة جدا ، أو القصة القصيرة عامة وذلك إما لغموض فكرتها أو لمباشرتها . فقصة " صورة " على سبيل المثال ، قرأتها عدة مرات ولم أستطع أن أفهم منها شيئا ، وعندما حاولت معرفة السبب ، وجدت أن الكاتب تنقصه الدقة في بناء الجملة السردية ، فتبدأ قصته بجملة : ظل يتأمل ثم يتبع ذلك مباشرة بعد نقطتين متواليتين جملة جديدة : مغروسة أمه بين ضلوع شاب وقد حاولت أن أجد ترابطا أو علاقة بين الجملتين فلم أستطع ، ولأضع الأمر بين أيديكم، فألقى عليكم الفقرة الأولي من القصة كاملة :
" ظل يتأمل .. مغروسة أمه بين ضلوع شاب ، أخذ يعبث بصحيفة ، قصف قلم، انتبه لصورة تسيطر على مفرق الصحيفة " فليس هناك ترابط بين الجمل ، ناهيك عن الأخطاء اللغوية ، اعتقد أن الغموض ناتج عن اللغة نفسها ، وعلى العكس من ذلك ينجح عبد الله مهدي أحيانا إلى المباشرة وكأنه يريد أن يشرح لنا مغزى القصة والقصة القصيرة جدا لا تحتمل مثل هذا الشرح ، بل أن الفن عامة لا يحتمل ذلك ، ولعل أبرز مثال على هذه المباشرة قصة " الطبل والزمر " ولن أكون مغاليا إذا قلت إنها تفتقد أيضا إلي وضوح الرؤية " أقطن روضة يانعة أنعم بكل ما فيها إلا هذه الشجرة ، وسوس لي الهاتف قائلا : عليك إجادة الطبل والزمر لتنعم بهذه الشجرة .
الطبل والزمر ؟!
لتطرب الحياة المسيطرة عليها .
الطبل والزمر مقابل تخلي عن روضتي
الشجرة فريدة .
سعي رفاقي جاهدين إلى إجادة الطبل والزمر ، حثوني على إجادته (إجادتهما) وقعت في شركهم ، بدأت أطبل وأزمر والحيات تطرب وتطرب ، دنوت من الشجرة ، قطفت ثمرة منها ، تذوقتها .
عندئذ أدركت أنني وقعت في شرك الشيطان "
آثرت أن انقل القصة كاملة ودون أن أحذف منها حرفاً ، فالقصة تشير بوضوح إلى قصة آدم عليه السلام وخطيئته الممثلة في الأكل من الشجرة المحرمة . وإذا كان الأمر كذلك ، لماذا إذن الجملة الأخيرة في القصة .
عندئذ أدركت أنني وقعت في شرك الشيطان " “
ولماذا يسعي رفاقك إلى إجادة الطبل والزمر ؟
ثمة عيب ثالث يخرج بعض نصوص عبد الله مهدي عن القصة القصيرة جدا هو الثرثرة ، ومثلنا في ذلك قصة " انهيار " .
بدأنا بذكر سلبيات القصة القصيرة جدا عند كاتبنا ، وسيكون من المستحسن أن نشير بحق إلى أن عبد الله مهدي استطاع أن يتميز في عدد كبير من قصصه فاستحقت أن تأخذ أبرز سمات القصة القصيرة جدا ، وهي القصص التي أشرنا إليها في بداية المقال ، مثل قصص : " استنزاف ، العفن ، عسكر وحرامية ، لو " واضعا بين أيديكم أنموذجا اعتقد أنه يمثل القصة القصيرة جدا خير تمثيل ، واللافت للنظر أن عدد كلماته اثنتان وثلاثون كلمة تماما مثل النموذج الذي استشهدنا به للكاتب ستا نلي بوين ، أما النموذج لعبد الله مهدي فهو المشهد الأول من قصة " لو " .
" جموع مختلفة الألوان من الناس ، قد انهالت تقطيعا في الطفل " محمد الدرة " ونزار قباني تضخمت أماله الصوتية من صراخه فيهم ، الطفل تفتت ، انهالوا على نزار ضربا وهو يصرخ : خلاصة القضية توجز في عبارة لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية " .
فثمة تكثيف وإيجاز وطرافة وإدهاش ودلالة وإيقاع سردي في هذا المشهد أو القصة القصيرة جدا على الأرجح

3

الزهراء
12-12-2003, 01:01 PM
أخي كاتب مبدع اسم على مسمى
شكراً لك على هذه المعلومات القيمة والمفيدة على
أنموذج القصة القصيرة ومقومتها وننتظر المزيد منك
مع الشكر الجزيل
الزهراء 21

محمد غنيم
12-12-2003, 03:11 PM
أشكرك على هذا الإطراء والسجع غير مقصود ياحلبية 28 28 28

محمد غنيم
05-05-2004, 02:11 PM
2 - قراءة نقدية فى مسرح آمنة ربيع سالمين

صدر كتاب "الحبل" للكاتبة العمانية آمنة ربيع سالمين فى العام الماضي دون أن يلتفت إليه ، وهذه القراءة التى جاءت متأخرة بعض الشيء , تحاول أن تنصف موهبة مسرحية ، سيكون لها شأن فى مجال الكتابة المسرحية ، لما تتسم به من جرأة فى تناول القضايا وابتكار فى الأسلوب ، ولغة مسرحية تجمع بين الشعري والدرامي ، وليس فى كل ما نقوله استباق للأحكام النقدية ، ولندخل إلى متن الكتاب لنعزز هذه الأحكام بالدليل . "الحبل" هو عنوان الكتاب ، بيد أنه يضم مسرحيتين ، أولاهما "الجسر" والثانية "البئر" أى أن الحبل ليس عنواناً لمسرحية داخل الكتاب ، ولعل الكاتبة أرادت أن تضع عنواناً دالاً يشي بمضمون الكتاب كله من ناحية ، ويؤشر على رمزية يمكن أن نفك شفرتها فى تأن .
تهدى الكاتبة , المسرحية الأولى "الجسر" إلى عبد الرحمن منيف دون أن تشير إلى أنها رؤية درامية مختلفة لروايته "حين تركنا الجسر ". على الرغم من أنها سبق أن أعلنت ذلك عندما نشرت المسرحية لأول مرة فى مجلة نزوى (العدد الثالث يونيو 1995 ، ص224) . على أية حال فإن الإهداء وحده فى بداية المسرحية يجعل القارئ يستدعى رواية منيف .
ورواية منيف "حين تركنا الجسر" من أعماله المبكرة تدور حول شخصية واحدة هي شخصية ذكى نداوى وكلبه وردان ، فليس فى الرواية سوى صوت ذكى نداوى الذي يخاطب وردان أو نفسه طوال صفحات الرواية ، فهي أقرب إلى السيرة الذاتية , وإشكالية نداوى أنه يريد أن يتخلص من الماضي أو الخطيئة ، التى تتمثل فى هذا الجسر الذي اضطر هو وأصدقاؤه إلى تركة , دون أن يفعلوا شيئاً , دون أن يطلقوا الرصاص على العدو "أه لو امتلأت رئتاي بالبارود فى ذلك اليوم .. لو شممت رائحة البارود لكنت الآن شخصاً أخر قالوا لا تفعلوا شيئاً .. تراجعوا ، تراجعنا وتركنا الجسر "(الرواية صـ 34). والجسر عند منيف يأخذ سمة الرمز الذي يوحي بالمعنى ولا يقرره ، ولا تكاد تخلو صفحة من ذكره صريحاً أو بالإشارة إليه ، لذلك فهو هاجس يلازم ذكى نداوى طوال الرواية ، ولا يشفى ذكى نداوى من هذا الهاجس إلا عندما يقرر أن يخرج من ذاته ويتحدث إلى الناس . "حاولت مرات كثيرة أن أتحدث عن الجسر ، حاولت مع جميع الذين التقيت بهم، تحدثت ببساطة عن ذلك . لكن أي منهم كان يسحب عنى نظراته ، ويغيب فى الحزن . وكثيراً ما تساءلت ألا يحتمل أن يكون لدى هؤلاء الرجال جسور تحزنهم " (الرواية صـ 29). ولكن تغيره الحقيقي لا يتم إلا بعد موت "وردان" المأساوي , وكأن وردان هنا الفداء لذكى نداوى أي فى موته حياة الأخير .
"فى تلك الليلة قررت
ولم أنس القرار فى اليوم التالي
وقبل أن تغيب شمس اليوم الأول كنت قد ضعت فى زحام البشر ، وبدأت أكتشف الحزن فى الوجوه ، وتأكدت أن جميع الرجال يعرفون شيئاً عن الجسر وأنهم ينتظرون ... ينتظرون ليفعلوا شيئاً " (الرواية صــ213 ) .
واضح من العرض السابق أن الصراع عند منيف صراع داخلي فى الأساس ، صراع بين زكى نداوى وماضيه ، غير أن هذا الصراع تتدخل فيه عوامل خارجية , فهو يحسمه برصاصه تنطلق على وردان , قرين زكى طوال الرواية .
ونعود إلى جسر آمنة ربيع سالمين فنجدها مسرحية فى ثلاثة فصول موزعة على ستة مشاهد متفاوتة الطول ، تظهر فيها جميعاً الشخصية الرئيسية "قاسم محفوظ " ومعه دائماً "وصال" زوجته ، أما بقية الشخصيات "أمين رمضان " "ونمير رشاد" و "أشرف سعيد" فهي شخصيات ثانوية تظهر مع قاسم محفوظ أو وصال . وتدور المسرحية حول قاسم محفوظ المحارب القديم والرسام الآن فى صراعه مع الماضي "الجسر" ورفاقه الذين تخلصوا من خطيئة الجسر, فهو طوال المسرحية ثابت لا يتغير , يرفض انتهازية وتجارة أمين رمضان الذي يحاول أن يجعله ينسى الماضي :
" أمين : حقاً لا أقدر أن أنسى الجسر نسياناً كاملاً ، ولكن الحياة تتطلب التغيير منذ تناسيته , وتركته خلف ظهري ، وأنا أعيش حياة مختلفة .
قاسم : (بعصبية وسخرية ): وبماذا تسمى متاجرتك بأجساد البشر غير أنها حياة مختلفة .
أمين : التغيير يفترض أن نحول جسورنا القديمة إلى قوة وسلطة أكثر تقدمية لنجد لنا خطا إيجابياً فى الحياة المختلفة (المسرحية صـ 24). وإذا كان الصراع أو التصادم مع أمين يأتي حاداً , فإنه مع د. نمير رشاد هيناً ليناً , وبلغة أخرى غير مباشر, فنمير رشاد الطبيب نسى الجسر واندمج فى الواقع , يطلب من وصال أن تدفع زوجها إلى نسيان الجسر ، وفى ذات الوقت يحرضها على الانفصال عنه ربما كان يريدها وهو يعلم أن زوجها عاجز عن اروائها جنسياً .
وصال : أنا لا أبحث عن أشياء غامضة فى حياتي معه بقدر ما أبحث عن أرض صلبة أعيش عليها الحب .سألني يوم زواجنا لماذا قبلت به زوجاً رغم فارق السن ؟ قلت له أريد ذلك ، أريد أن أعيش بصحبة رجل قبل أن يمضى قطار العمر ، لقد وافقت على الزواج منه لأنني أعيش فراغاً قاتلاً بعد فقداني أبى ومع الأيام أحببته .
الطبيب : ولكن الحب الذي لا يحبل ، ينضب ويموت .(المسرحية صـ46).
أما أشرف سعيد الذي يدخل فى المشهد قبل الأخير , حاملاً بندقية صدئة , فيحاول أن يقنع قاسم محفوظ أن يخرج من عزلته , وينسى الحسرة والهزيمة , ويعيش هذ1 الواقع القائم على العلاقات الاجتماعية والسمسرة .
قاسم : ومع ذلك لم يحدث شئ ، لم يحدث تغيير ، لماذا كنا نحارب ؟ أليس من أجل قضية ومصير وتغيير واقع مؤلم إلى واقع طيب وجميل ، هل كنا نحارب من أجل قضية دولارات وعقارات وملاه ، هل الوطن الذي كنا نريده هو ما نتحدث عنه يا أشرف ؟
اشرف : ثق بي وناولني جواز سفرك سأجد لك فرصة عمل فى إحدى جامعات أمريكا ، سأخلق لك فرصة جيدة للحياة والإعاشة , ولا تظل تحدثني عن القضية والمصير والواقع الجميل ، هذه الأمور لا تدرج إلا تحت الوطن القديم . (المسرحية ، صـ 68 ، صـ 69).
ويستمر الجدال بين الاثنين , فلا يحسمه إلا رصاصة يطلقها قاسم محفوظ على صدر أشرف سعيد "...سجل عندك ، أنا ذلك الرجل الذي أطلق رصاصته المتأخرة "المسرحية صـ 71. وكان يجب أن تنتهي المسرحية ، عند هذا المشهد ، لكن الكاتبة تأبى ذلك وتضيف مشهداً قصيراً تختتم به المسرحية بين قاسم ووصال يبدو فيه بشكل جلى أثر الحس النسائي ، وربما لأنها تريد أن تتجاوز رؤية عبد الرحمن منيف ، فهي تعطى في هذا المشهد للجسر أبعاداً رمزية أخرى , فهو هنا بمثابة جسر للتقارب بين المرأة والرجل ، بين قاسم ووصال ، وهنا تبدو جرأة الكاتبة فى استخدام اللغة المعبرة عن الموقف والموحية بالمعنى دون إسفاف .
وصال : قاسم أنت وأنا قلبان يخفقان بالحب فى موقع واحد ، ولكن جغرافية المكان متباعدة منذ سبع سنين .
قاسم : سأجعلها قريبة ، دعيني أتقدم خطوتين فقط من جسر النصر ، دعيني امتلأ بك يا وصال ، وإذ لم أفعل فسوف أموت فى ثانية ، أتوسل إليك دعيني أقترب (المسرحية صـ76).
ترى هل استطاعت الكاتبة أن تقدم رؤية درامية مختلة لرواية "حين تركنا الجسر ". أعتقد أن العرض السابق أجاب على السؤال ، ونضيف هنا أنها أعطت لشخصية قاسم محفوظ وهى الشخصية الموازية أو المتماثلة مع زكى نداوى , بعداً واقعياً تمثل فى علاقته النسائية وتجاوزه للعجز الجنسي مع وصال .
وفى المسرحية الثانية "البئر" تظهر إمكانيات الكاتبة الفنية القوية لتأكد تمكنها من فن المسرح ، فثمة توظيف للتراث , ولغة مسرحية بعيدة عن الترهل أو الثرثرة , تجمع بين التوتر الدرامي والنفس الشعري فى ذات الوقت .
والبئر مسرحية من فصل واحد فى عشرة مشاهد متفاوتة الطول ، تقترب فيها الكاتبة من الواقع العمانى فتسمو به إلى أفق الشعر , ولعل هذا من أهم وظائف الفن عامة والمسرح خاصة . يلفت النظر هذا الإهداء فى مقدمة المسرحية :
"إلى أخي على .. النجمة التي رحلت بعيداً " هل أرادت الكاتبة أن توظف هذا الإهداء فى النص ؟ أعتقد ذلك , فالبئر مأساة أو دراما عائلية , يسيطر عليها جو الحزن والموت , وفى نفس الوقت , لا تخلوا من دفئ العلاقات الأسرية .
فى المشهد الأول يطالعنا وجه الأب "نصيب" والأم "صباح" يتغنيان بمقاطع من أغنية شعبية مفككة الكلمات ، ومن خلال الحوار تتكشف لنا الأحداث فى بعدها المأساوي ، فهناك الابن طارق الممسوس بالجن ، والفتاة بلقيس التى ترفض الزواج من الأستاذ عمر ، وسمة صراع خفي بين الأم والأب رغم حميمية العلاقة ، ثم ينتهى المشهد الأول برقصة الدان المرباطية وهى رقصة تعبيرية تعرف - كما تشير الكاتبة - برقصة الموت . وتتابع الأحداث خلال المشاهد التالية , معمقة هذا الخط الدرامي , وإن أقحمت الكاتبة فى المشهد الثاني (من صـ32 إلى صـ 43) مشكلة زينب ابنة نصيب وزوجها فى عدم الإنجاب ، إلا أنها تعود للتمسك بخط الأحداث الأساسي ، فنرى فى المشهد الأخير , طارق وهو يلقى بأخته بلقيس فى البئر ، كي يمنعها أو يحميها من الزواج بمن لا تحب , وهكذا يحسم الصراع فى هذه المسرحية التى تمثل نقلة فى أسلوب الكاتبة حيث تمتزج الحركة بالحوار فوق خشبة المسرح، إلى جانب توظيف الرقصات الشعبية كرقصتي "الدان " "وحمد الكبير " وأرى أن مثل هذا العمل فى حاجة إلى أن يظهر فوق خشبة المسرح العمانى ، وأن يهيأ له مخرج قدير يستطيع أن يبرز قيمته الجمالية , بل ويضيف إليه أبعاداً فنية جديدة .
ولا يبقى إلا أن أبدى بعض الملاحظات النقدية أولها : طغيان صوت الكاتبة على صوت الشخصية فى بعض المواقف ، فتتحدث الشخصية بلغة أرقى من مستواها ، نرى ذلك مع وصال فى الجسر بدرجة قليلة , ومع صباح وطارق فى البئر بدرجة أكبر . أما ثاني الملاحظات وآخرها فهي إقحام الكاتبة بعض الحوارات الزائدة التى تضعف من بناء العمل الدرامي وتقلل من حدة الصراع ، فيكون على حساب الشخصيات الأخرى فى العمل ، مثل المشهد الثاني فى مسرحية البئر الذي جاء مقحماً على خط الأحداث . ورغم كل ذلك فإن هاتين الملاحظتين لا تقللان من قيمة العمل الفنية بصورة عامة .

الزهراء
05-10-2004, 11:15 AM
رائع جداً

أخي محمد

الشكر في حقك قليل

أتمنى لك دوام الصحة والعافية



وما زلت الحلبية 27

وشكراً إلك على الإطراء الي مو مقصود يا مصري

8

الزهراء الصغيرة