المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفاهيم خاطئة عن الطب النفسي ..يكتبها د. طارق بن علي الحبيب



الرومنسي
12-02-2003, 01:16 PM
هذه المقالة نقلتها نصا من الإنترنت

مفاهيم خاطئة عن الطب النفسي

يكتبها د. طارق بن علي الحبيب

استشاري وأستاذ الطب النفسي المساعد ورئيس قسم الطب النفسي بكلية الطب والمستشفيات الجامعية بالرياض

الحلقة الأولى

تمهيد

لقد كان علاج المرضى النفسيين في أوروبا في القرون الوسطى يتم على يد رجال الكنيسة ، ولذلك فقد انتشرت الخرافات وساد التطرف بالإيمان في الأمور الغيبية كالسحر وتلبس الجان. وقد كان يتم احتجاز المرضى آنذاك في أماكن سيئة ، ويتعرضون لأسوأ أنواع المعاملة مثل التقييد بالأغلال المثبتة في الحيطان لفترات قد تصل إلى عشرات السنين . كما كانت تلك الأماكن أو الملاجئ مستقلة وبعيدة عن المستشفيات المعتادة ، مما أدى إلى ركود الأبحاث في الطب النفسي وإلى تخلف هذا الفرع من فروع الطب ، وبالتالي عدم إدراك الناس لحقيقته ومدى فائدته

إضافة إلى ذلك فإن الصراع بين العلم والكنيسة في أوربا في القرن الماضي ربما كان أحد الأسباب الأساسية في رفض الناس للطب النفسي . فلقد استطاعت جميع العلوم تقريبا أن تثبت مكانتها وجدارة علمائها مقابل عجز وتخلف رجال الكنيسة -الذين كانوا وللأسف يعتبرون رمزا للدين وأهله في ذلك الوقت في حين أنه قد عجز الطب النفسي أن يحقق ذات المكانة ، وأن ينجح بنفس الجدارة التي نجحت بها غيره من العلوم ، بل إن بعض مؤسسة قد اتخذ موقفا معاديا للدين وابتدع بعض الفرضيات التي زادت من هذا الفصام النكد كتعريف سيجموند فرويد - وهو طبيب نمساوي من أصل يهودي -للدين بأنه وسواس الشعوب

ونظرا لمكانة أوربا في العالم فلقد انتقلت نظرة الرفض تلك إلى الشعوب التي مازالت في بدايات التحضر ( دول العالم الثالث ) ، والتي رفضت بدورها الطب النفسي بدرجة أكبر مما حدث في أوربا ، وذلك لعدة أسباب منها

الأول : أن هذه الشعوب مازال فيها بقية من خير وصلاح وسلامة فطرة إلى حد ما ، مما يجعلها ترفض في أغلب الأحوال أي شيء يبدو في ظاهره وكأنه يتعارض مع الدين .

الثاني : أن كثيرا من أوائل المتخصصين في الطب النفسي في دول العالم الثالث - إلا من رحم الله منهم - كانوا مجرد نسخة لعلماء الغرب ، ولا يختلفون عنهم إلا أنهم كانوا يتحدثون بلغة قومهم .

الثالث : أن الصحوة الإسلامية التي عمت أرجاء العالم الإسلامي في العشرين سنة الماضية قد دعمت هذه النظرة الرافضة في العالم الإسلامي ، وخصوصا في العالم العربي ، دون أن توجد نماذج جيدة كافية من المتخصصين في الطب النفسي ينقحون للناس ويبينون لهم الغث من السمين في الطب النفسي وعلومه .

وفي المقابل فعلى الرغم من بعض البقع السوداء في تاريخ الطب النفسي إلا أن فيه جوانب كثيرة مضيئة تنتفع منها الأمة بشكل كبير إن أحسن القائمون عليه توظيف تلك الجوانب . فليس الطب النفسي وعلومه مجرد عقاقير دوائية وأساليب علاجية ، بل إنه يمكن استخدام شيء منه في خدمة المجتمع وتطويره ، وكذلك أيضا في مجال الدعوة إلى الله

ومما يبهج قلب المسلم انتشار الصحوة الإسلامية في أوساط الأطباء النفسانيين المسلمين ، وحرص عدد منهم على خدمة الإسلام من خلال تخصصه . ولعل بعضا من أولئك المتخصصين المخلصين يصطدم بعض الشيء ويضايقه بعض من تلك النظرات الخاطئة لدى أفراد مجتمعه ، ولذلك فلقد حاولت من خلال هذا الكتيب الذي بين يديك - أخي القارئ - أن اجتهد في توضيح وتصحيح بعض من تلك النظرات الاجتماعية السلبية تجاه الطب النفسي ، راجيا من الله التوفيق والسداد

تعريفـات

من هو الطبيب النفساني ؟

وما طبيعة عمله ؟

وما دراسته التي أهلته لذلك العمل ؟

وما الفرق بينه وبين الاختصاصي الاجتماعي والاختصاصي النفسي ؟



الطبيب النفساني : هو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم العلمي – ثم التحق بكلية الطب ودرس فيها تقريباً لمدة سبع سنوات جميع التخصصات الطبية دون تركيز على تخصص محدد ، مثله في ذلك مثل أي طالب في كلية الطب. ثم حين يتخرج يعمل في جميع التخصصات الطبية الرئيسة لمدة عام واحد ، مثله في ذلك مثل أي طبيب آخر ، يحصل بعدها على بكالوريوس الطب والجراحة ، مما يؤهله للعمل في أي تخصص طبي شاء . وكما يختار زميله الذي تخرج معه في قسم الجراحة أو الباطنة مثلاً فإن من يرغب في أنْ يكون طبيباً نفسانياً فإنه يتجه للعمل في قسم الطب النفسي ، ويمكنه بعد ذلك مواصلة دراساته العليا في الطب النفسي ، والتي يتدرج خلالها من رتبة طبيب مقيم إلى طبيب اختصاصي ( أخصائي ) ثـم إلى رتبة طبيب استشاري إذا حصل على ما يكفي من الشهادات العلمية والخبرة الإكلينيكية . ويتمثل دور الطبيب النفساني في تشخيص الحالة المرضية والبحث في أسبابها النفسية وكذلك العضوية لأنه في الأصل طبيب – كما أسلفنا – ثم يسعى في اختيار العلاج المناسب لها . وقد تحتاج بعض الحالات المرضية إلى بحث اجتماعي فيستعين بالاختصاصي الاجتماعي ، أو عمل بعض المقاييس النفسية مثلاً فيستعين بالاختصاصي النفسي . ويُعد الطبيب النفساني في الأقسام النفسية العمود الفقري للفريق المعالج الذي يتكون عادة من : الطبيب النفساني ، والاختصاصي النفسي ، والاختصاصي الاجتماعي ، وفريق التمريض . كما أن الطبيب النفساني هو الوحيد الذي يحق له صرف الأدوية من بين أفراد الفريق المعالج لما عنده من خلفية طبية . ويقوم الطبيب النفساني أيضاً بعلاج ما يعترض مرضاه من أمراض أخرى ، إن لم يقتض الحال تحويلها إلى طبيب مختص

أما الاختصاصي النفسي : فهو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم الأدبي عادة – ثم التحق بقسم علم النفس في إحدى الكليات النظرية ( التربية أو الآداب عادة ) حيث يدرس فيها ويتلقى تدريبه لمدة أربع سنوات ، يحصل بعدها على بكالوريوس علم النفس ، ثم يتجه بعد ذلك للعمل في أحد القطاعات الحكومة كالمدارس والمستشفيات العامة أو النفسية . ويتمركز عمل الاختصاص النفسي في عمل المقاييس النفسية ، واختبارات الذكاء ، وكذلك عمل بعض الجلسات العلاجية كالعلاج المعرفي ، والعلاج السلوكي ، والعلاج المساند . ويُعد دور الاختصاص النفسي رائداً ومهماً في تكامل عمل الفريق الطبي .

أما الاختصاصي الاجتماعي : فهو ذلك الشخص الذي تخرج من الثانوية العامة – القسم الأدبي عادة – ثم التحق بقسم الخدمة الاجتماعية أو علم لاجتماع أو ما شابه ذلك من الأقسام على اختلاف مسمياتها في إحدى الكليات النظرية ( التربية أو الآداب عادة ) حيث يدرس فيها ويتلقى تدريـبه لمدى أربع سنوات ، يحصل بعدها على درجة البكالوريوس في ذلك التخصص ، ثم يتجه بعد ذلك للعمل بوظيفة اختصاصي أو مرشد اجتماعي في أحد القطاعات الحكومية كالمدارس والمستشفيات وغيرها . ويتمركز عمل الاختصاص الاجتماعي في بحث المشكلات الاجتماعية والمساهمة في حلها ، وإعداد التقارير الاجتماعية للأفراد الذين يتم تحويلهم إليه . وللاختصاصي الاجتماعي الذي يعمل في المستشفيات دور بارز في تكامل الخدمة الطبية

ويمكن للاختصاصي النفسي وكذلك الاختصاصي الاجتماعي مواصلة الدراسات العليا في تخصصاتهم والحصول على شهادات الماجستير والدكتوراه ، ثم العمل بعدها أستاذا في إحدى الجامعات أو موظفاً في أحد القطاعات الحكومية الأخرى بما يتناسب مع طبيعة تخصصه ودرجته العلمية

المفهوم الأول

أعتقد بعضهم بأن الصالحين والأتقياء لا يمكن أنْ تصيبهم الأمراض النفسية ، وذلك لأن الأمراض النفسية - في ظنهم – إنما هي فقط بسبب تسلط الشيطان على ضعاف الإيمان

ويبـدو أن هذا الاعتقاد إنما جاء من أمرين

الأول : عـدم إدراك الناس لمعنى المرض النفسي

الثاني : نظرة الناس للأمراض النفسية على أنها مركب نقص

ولبحث هـذا الأمر علينا إبتـداءاً أنْ نفـرّق بين العوارض النفسية والأمراض النفسية

فالعوارض النفسية هي تلك التفاعلات النفسية التي تطرأ على الفرد نتيجة تفاعله مع ظروف الحياة اليومية ، وتستمر لفترات قصيرة ، وقد لا يلاحظها الآخرون ، ولا تؤثر عادة على كفاءة الفرد وإنتاجيته في الحياة ، كما لا تؤثر على عقله وقدرته في الحكم على الأمور . وتعد هذه العوارض النفسية جزءاً من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها ، فيبدو عليه الحزن عند حدوث أمر محزن ، ويدخل في نفسه السرور والبهجة عند حدوث أمر سار . وهذا أمر مشاهد معلوم لا يحتاج لإثباته دليل ، ويحدث لكل أحد من الصحالين والطالحين

أمـا الأمراض النفسية فأمرها مختلف ، وهي لا تقتصر على ما يسميه الناس بالجنون ، بل إن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطراب التوافق البسيط إلى أشد أشكاله تقريباً متمثلاً في فصام الشخصية شديد الاضطراب . كما أنه ليس شرطاً أنْ تُستخدم العقاقير في علاج ما يسميه الأطباء النفسانيون بالأمراض النفسية ، بل إن منها ملا يحتاج إلى علاج دوائي فهي تزول تلقائياً ، وربما لا يحتاج معها المريض سوى طمأنته كما يحدث عادة في اضطرابات التوافق البسيطة .

ويعتمد الطبيب في تشخيص الاضطراب أو المرض النفسي – بشكل كبير – على ثلاثة أمور

نوع ( طبيعة ) الأعراض

شـدة الأعـراض

مدة بقاء تلك الأعراض

ولتشخيص المرض النفسي فإنه يجب أنْ يحدث عند المريض أعراض غريبة ، أو ربما أعراض غير مألوفة كالضيق والحزن مثلاً ، وتستمر لمدة ليست بالطارئة أو القصيرة وبأعراض واضحة تكون كفيلة بتشخيص المرض النفسي في تعريف الأطباء . ولذلك فإن من يحزن لفقد قريب أو عزيز ويتأثر بذلك فإننا لا نصفه بأنه مريض نفسي إلا إذا استمر حزنه لمدة طويلة ربما تصل لعدة أشهر أو بضع سنوات وبدرجة جلية تؤثر على إنتاجية ذلك الفرد في أغلب مجالات الحياة ، أو أنْ تظهر عليه أعراض بعض الأمراض النفسية الأخرى كالاكتئاب مثلاً

ولتبسيط الموضوع فإننا نقسم الأمراض النفسية إجمالاً إلى نوعين

الأول : تلك الأمراض التي تؤثر على عقل الفرد فيفقد استبصاره بما حوله ، وتضعف كفاءته وإنتاجيته وقدرته في الحكم على الأمور ، ويحدث فيها أعراض غريبة لم تعهد عن ذلك الفرد ولم تعرف عنه كالاعتقادات والأفكار الغريبة الخاطئة التي لا يقبل معها نقاش ، أو أنْ تتأثر أحد حواسه أو بعضها بما هو غير مألوف له كسماعه لبعض الأصوات التي لا وجود لها حقيقة ، أو وصفه لنفسه بأنه يرى بعض الأجسام دون أنْ يكون لها أي وجود على أرض الواقع

ويمكن أنْ يصيب هذا النوع من الأمراض أي أحد من الناس سواءاً كانوا من الصالحين أو الطالحين إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله

الثاني : تلك الأمراض التي لا تؤثر على عقل الفرد ولا يفقد معها استبصاره أو قدرته في الحكم على الأمور لكنها تُنقص نشاطه بعض الشيء ، كالحزن الشديد المستمر لفترات طويلة وعـدم قدرة البعض على التوافق مع بعض مستجدات الحياة (اضطراب التوافق ) وغيرها كثير . وقد تصيب هذه الأمراض أيضاً الصالحين وغيرهم من الناس إذا توفر ما يدعو لحدوثها من أقدار الله

ولعلي أعجب من البعض الذين يربطون درجة التقوى والإيمان بامتناع الإصابة بالأمراض النفسية دون العضوية !! فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه

وهذا البيان النبوي شامل لجميع الهموم والغموم صغيرها وكبيرها ، وأياً كان نوعها . وفي الأصل أن الأمراض النفسية مثل غيرها من الأمراض ولا شك ، وهي نوع من الهم والابتلاء ، ولذلك فإنها قد تصيب المسلم مهما بلغ صلاحه . كما إنه لم يرد في الكتاب الكريم ولا في السنة المطهرة ما ينفي إمكانية إصابة المسلم التقي بالأمراض النفسية حسب تعريفها الطبي ، ومن نفي إمكانية ذلك فعليه الدليل

ولقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

هل المؤمن يمرض نفسـياً ؟

فأجاب – حفظه الله - : لا شك أن الإنسان يصاب بالأمراض النفسية بالهم للمستقبل والحزن على الماضي ، وتفعل الأمراض النفسية بالبدن أكثر مما تفعله الأمراض الحسية البدنية

ولعل ما نلاحظه من مراجعة بعض أهل العلم والصلاح للعيادات النفسية ما يشهد بذلك

ولقد وصف أبو حامد الغزالي – رحمه الله – نوبة الاكتئاب الحادة التي أصابته ، وهو المعروف بعلمه وتقواه وورعه . يقول أبو حامد الغزالي " فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مائة . وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أنْ أدرس يوماً واحداً تطبيباً لقلوب المختلفة إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة ، حتى أورثت هذه العلة في اللسان حزناً في القلب بطلت معه قـوة الهضم ومراءة الطعام والشراب ، فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى إلى ضعف القوى حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج فلا سبيل إليه بالعلاج إلا أنْ يتروح السر عن الهم الملم

وبالإضافة إلى ذلك فإن انتقال أغلب الأمراض النفسية عبر الوراثة يعكس بوضوح الطبيعة المرضية لتلك الأمراض

وبالرغم من ذلك كله فإن المسلم يتميز عن الكافر وكذلك التقي عن الفاجر في انه يحتسب ما يصيبه عند الله ويستعين بحول الله وقوته على مصائب الدنيا ولا يفقد الأمر مثلما يفقد غيره مما يخفف من أثر المصائب عليه بعض الشيء . ولذلك فإننا نلاحظ حدوث حالات الانتحار في المجتمعات الغربية تفوق بكثير ما يحدث في المجتمعات الإسلامية رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة لذلك في المجتمعات الإسلامية ، لكن من عمل من الأطباء النفسانيين في كلا المجتمعين يدرك بوضوح ذلك الفرق


أنتظروا الجزء الثاني
12 12