المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شعرية السرد الروائى



محمد غنيم
11-28-2003, 04:25 PM
شعرية السرد الروائي


قراءة فى روايات صلاح والى

ج
بدأ صلاح والى تجربته الروائية متأخراً ، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه التجربة كادت تجعلنا ننسى صلاح والى الشاعر بوصفه واحداً من جيل السبعينات حيث أصدر عدداً من الدواوين الشعرية ، غير أن صلاح الشاعر سيبقى متخفياً فى ثوب الروائي .
أصدر صلاح والى حتى الآن أربعة روايات هي على الترتيب حسب تاريخ صدورها: "نقيق الضفدع 1988- ليلة عاشوراء 1992- عائشة الخياطة 1997- كائنات هشة لليل 2000 ".
وإلي جانب هذه الأعمال ثمة روايات أخرى أنجزها الكاتب ولم تطبع بعد ، نذكر منها : "العم حفني" التى فازت بجائزة إحسان عبد القدوس 1991 و "أوجاع الطين " وربما كانت هناك روايات أخرى فى الطريق .
وسنقف فى قراءتنا عندما أنجز وخرج للناس من أعمال الكاتب ، ألا وهى الروايات الأربع التى ذكرت أنفاً ، والقراءة الفاحصة لهذه الروايات الأربع تشي بوجود مشروع روائي يشكل فى مجمله عالماً روائياً متميزاً ، يمكن أن نقول عنه إنه عالم صلاح والى الروائي الذى تتشكل ملامحه – فى زعمنا – فى المزج بين التخيل الواقعي (التاريخ) حيث معالجة عدد كبير من الشخصيات عبر فترة زمنية طويلة وبين السيرة الغيرية أو الذاتية حيث التركيز على شخصية رئيسية واحد أو قصة حياة شخص ، على أن وسيلته فى هذا المزج هي الاستعانة بتقنيات الشعر والأسطورة والحكى الشعبى ، راصداً فى ذات الوقت التحولات الاجتماعية والسياسية للمكان "القرية"
وللكشف عن هذه الملامح وتجلياتها فى أعمال الكاتب ستتم قراءتنا من خلال محورين ، الأول: المزج بين التاريخي والذاتي ، والثاني : تقنيات السرد الروائي لروايات الكاتب بوصفها روايات شعرية .
أولاً: المزج بين التخيل الواقعي والسيرة الذاتية :-
إن هذا الملمح فى اعتقادنا أبرز الملامح فى روايات الكاتب بصورة عامة ، بيد أنه أكثر تحققاً فى روايتيه الأوليين "نقيق الضفدع " ، "ليلة عاشوراء" بصفة خاصة.
ففي روايته الأولى "نقيق الضفدع" يتضافر الواقعي ( تاريخ المكان – رصد التحولات الاجتماعية بل ووصف المكان) والذاتي ، حيث يرصد لنا الكاتب الملامح السيرية لشخصيته وتحولاتها منذ الطفولة إلى ما بعد الخروج من السجن .
يرصد لنا الكاتب ملامح قرية السكاكرة – المكان- مسقط رأسه ، منذ منتصف الأربعينات إلى نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ، فنغوص فى تفاصيل القرية قبل الثورة وبعدها فى عهدي عبد الناصر والسادات ، وهذا بالتوازي والتضافر معاً مع سيرة الكاتب الذاتية منذ كان طفلاً مشاكساً للجدة التى تقسو عليه بعد غياب الأب منفياً أو مسجوناً لا فرق فى "أبى هور" فى أسوان إلى أن تخرج من الجامعة وذاق مرارة السجن
إن الكاتب دون موارية يمزج تاريخه الشخصي "سيرته الذاتية " بتاريخ قريته وتحولاتها من المباني الطينية الواطئة والمتلاصقة إلى المباني الحجرية المرتفعة مرمزة فى بناء مئذنة الجامع لأول مرة فى السبعينات بعد عودة أحول العينين محمد أبو العينين من السعودية ،على أن هذا المزج بين الواقعي والذاتي أو بين التاريخي والسيري إذا جاز التعبير يتم عبر تقنية خاصة ، أظن انها غير مألوفة ، حيث أن الواقعي أو التاريخي يعبر عنه بلغة شعرية أسطورية ، أما السيرى أو الذاتي فإنه يتم التعبير عنه بلغة واقعية محايدة .
 ويمكننا أن نرصد ملامح السيرة الذاتية للكاتب عبر الشذرات التالية :-

1- "كنت قد تجاوزت الباب الخارجي لمنزلنا ، وكان أبى فى جنوب الشلال فى قرية "ابوهور" كان منفياً لإشتراكه فى جماعة الإخوان المسلمين "(1)
2-"ونحن أولاد المدرسين المتعلمين الوحيدين فى القرية نقول بابا وباقي الأولاد يقولون آبا وكنت أحب أن أقول آبا ولكن لا أعرف لماذا ننطقها بابا".(2)
3-"وكنت أخاً لخمسة أخوات بنات وأخوين أولاد كلنا أولاد أشقاء ، لم تستطع فرحة أمي بي أن تستمر ، ولدت يوم جمعة فى السادس من الشهر السادس من العام السادس بعد الأربعين من مسيرة تمام القرن العشرين "(3)
4-"بعد عامين من ولادتي ذهب والدي باختياره متطوعاً إلى الشام للحرب ، أطلق لحيته، عاد يلبس الملابس البيضاء ، المسبحة فى يده "(4)
اكتفى بهذه النصوص الأربع التى تشير بشكل مباشر إلى شخصية الكاتب ،على أية حال إن عدد هذه الشذرات قليل بالنسبة لمجموع مقاطع الرواية وفصولها ، مما أفضى فى الأخير إلى غلبة اللغة الروائية ذات الإيقاع الشعري والملمح الأسطوري على بناء الرواية ، وسيكون على السهل المجيء بنصوص للاستشهاد بهذه اللغة ، لأنها اللغة الغالبة أو المسيطرة على النص الروائي ، ويمكن أن نقدم نموذجين لهذه اللغة .
الأول:- وصف القرية الخارجي:
"اتفقت بيوت الطين فيما بينها أن تتراص فى حلقات مقفلة يخترقها شارع واحد ، أن تكون أبوابها وشبابيكها فى اتجاه هذا الشارع وأن يدخل هذا الشارع هذا الحلقة وسط باحتها ويخرج إلى حلقة أخرى فترصد البيوت التى تراصت بأبوابها وشبابيكها كالقطط المتحفزة أي شئ يمر فى باحتها وتسلمه إلى حلقة أخرى "(5)
الثاني :- وصف التحول الاجتماعي فى القرية فى السبعينات من هذا القرن :
وذلك عبر متابعة شخصية أحول العينين الذى غاب عن القرية وعاد إلية بعد تجربة من سفر فى الخليج العربي محملاً بالنقود والذهب وقيم جديدة :
"تعجبت بيوت الطين مما يحدث فى بيت أحول العينين الحاج / محمد أبو العينين وقررت أن تفعل شيئاًَ، ولكن غياب الفتى عنها جعلها بعد تلك الأحداث السريعة والغريبة لا تستطيع أن تقرر شيئاً"(6)
وسيستمر هذا المزج بين التاريخي والذاتي فى روايات الكاتب الأخرى ، غير أنه فى الرواية الثانية "ليلة عاشوراء" سيأخذ شكلا آخر ، فنجد الكاتب ينطلق من الذاتى أو السيرى إلى التاريخ أو الواقع :لذلك يمكن اعتبارها رواية سيريه أو سيرة روائية ، إذ نتابع عبرها السيرة الذاتية لشخصية إبراهيم خريج الجامعة فى قرية السكاكرة الذى يعمل سائق ميكروباص ولكن ذلك عبر مساحة زمنية محدودة بليلة واحدة هي ليلة عاشوراء ولا تكتمل هذه السيرة الذاتية أو قل لا يكتمل البناء الروائي إلا بذكر سيرة أخرى هى سيرة الأستاذ أحمد ، وهو القناع الشخصي لشخصية صلاح والى . تروى معظم الأحداث على لسان إبراهيم وفى الوقت نفسه تخص إبراهيم ومشكلته مع زوجته وأهل القرية أو قل الظروف الاجتماعية الاجتماعية السيئة التى جعلته سائق ميكروباص ، لذلك أرى شخصية إبراهيم تمثل الواقع الخارجي فى حين تأتى الأحداث المروية على لسان الشخصية الثانية ممثلة السيرة الذاتية ، ومع تضافر الخارجي والسيرى يكتمل هذا البناء الروائي حيث تكمن عبره رؤية للكاتب تدين هذا الواقع ، و تمجد الذات التي تقف صلبة في وجه تلك الظروف القاسية . أما أن شخصية أحمد في الرواية تمثل السيرة الذاتية للكاتب صلاح والي فإن قراءة القليل من شذرات الرواية تؤكد استنتاجنا ، فعلى سبيل المثال يكرر هنا الكاتب ما سبق قوله في روايته الأولى " نقيق الضفدع " عن سجنه و سجن والده قبله في أسوان فيخاطب إبراهيم عن زيارته لأبيه في سجنه و أن بلدته و البلاد التي حولها سميت الفريدية نسبة إلى الملكة فريدة .
" أصبحنا ملكاً خالصاً لها و لم يعتقنا من الرق إلا ذلك الرجل المهيب الذي السجن و أبعد أبي قبلي إلى مشارف السودان ……………
و كلما قلبت هذه الأوراق تذكرت ذلك الرجل – أبي – الذي ضنت به الدنيا على و على الناس ، فعاد من المنفى عام 1969 لأن مياه بحيرة ناصر كانت ستغرق " أبي هور " التي نفي فيها على مشارف السودان "(7) .
و يستمر وجود شخصية " أحمد " قناع صلاح والى في روايته الثالثة " عائشة الخياطة " ممثلا بقوة الجانب السيري الذاتى فى الرواية ، آخذاً ملامح أسطورية مثله في ذلك مثل عائشة ، فنجده متيماً بها ، تقول عائشة " أنا و أحمد مجمرة من العشق و حب الحياة كما في ماء ، لا تعرف الأجزاء و لا تعود كما كانت قبل الامتزاج إلا بعد أن يعلو و يهبط و يصعد و يمتد و يفيض و نظل نجري في أبعاضنا و نحن واحد مكتمل هكذا . " (8)
على أننا نؤكد هنا أن حضور شخصية " أحمد " في " عائشة الخياطة " ليس فاعلاً كباقي الشخصيات الأخرى ، و كأني بصلاح والى في هذه الرواية قد بدأ يقلل من حضور الذاتي في عالمه الروائي أو على الأقل لم يعد يأتي هذا الحضور مباشراً و لعله كان واعياً بهذه المسألة ، ففي روايته الأخيرة " كائنات هشة لليل " يوظف هذا الحضور للسيرة الذاتية توظيفاً فنياً مختلفاً ، إذ تأتي الإشارة إلى شخصية الكاتب وسيرته الذاتية بوصفها محكياً على لسان الشخوص الأخرى .
يقول عبده الصغير موجها حديثه للأصدقاء المجتمعين في منزله " ولو أني زعلان قوي من أحمد لأن السكن في مصر أثر عليه فيوم أن سألته في هذا الموضوع قال بالنحوي كل امرأة خائنة معها رجل خائن وأن ما بينك و بين زوجتك ورقة و اتفاق فإذا فعلتها هي أو فعلتها أنت فكل منكم يذهب إلى حاله . (9)
في موضع آخر تأتي الإشارة صريحة إلى اسم صلاح والى على لسان محمد عثمان فيقول " و كنت أخرج من عملي لأعمل " بارمان " في مقهى ريش لتكون لي صداقات مع أمل دنقل وبهاء طاهر ويحيى الطاهر عبد الله ، والدسوقى فهمي صاحب كافكا وترجم له أمريكا وكذلك صلاح والى وعبده جبير وسليمان فياض وعدلى رزق لله وسعيد الكفراوى وعفيفى مطر ، وثروت فخري ومحمود بقشيش ومحمد جاد وكثيرين (10)
ومعظم الشخصيات الأخرى الحاضرة حضوراً فعلياً فى الحكى لها علاقة بأحمد ن تحكى عنه فهو دائماً الحاضر الغائب .
وأياً كانت الطريقة التى يوظف فيها صلاح والى سيرته الذاتية فإن حضور هذه السيرة يعد فى الأخيرة ملمحاً أو تقنية فنية تقترب بالسرد نحو خصائص الرواية الشعرية ، خاصة عندما ينصهر عنصر السيرة فى السرد ، مما يدفع المتلقي إلى شحذ وعيه والقيام بعمل مقارنة بين الواقعي والتخيلي فى الرواية .
ثانياً:-تقنيات السرد الروائي :
أشرت آنفاً إلى أن حضور السيرة الذاتية للكاتب فى السرد يعد ملمحاً أو تقنية تدفع بالرواية نحو بناء الرواية الشعرية ، التى يمكن أن توصف بأنها "قص هجين يجمع بين السرد والشعر أو هي نص سردى يستعين بالوسائل الشعرية على تحقيق بناءه(11) والواقع أن روايات صلاج والى يمكن ان توصف بأنها روايات شعرية أوغنائية ، حيث يميل الكاتب إلى استخدام تقنيات الشعر فى بناءة السردي ، وسنحاول فيما يلي الكشف عن هذه الملامح والتقنيات التى تتمثل فى غلبة أسلوب السرد الذاتي وضعف البناء السردي ووفرة الإيقاع الشعري والتصوير الاستعارى .
1-اعتماد أسلوب السرد الذاتي وغلبة الرؤية الداخلية :
ينوع صلاح والى فى رواياته بين ضمير السرد الذاتي وضمير الراوي العليم ، حيث يعتمد الضمير الأول فى روايتي "عائشة الخياطة" و"كائنات هشة لليل" وقد يبدو لنا أن هذه قسمة عادلة ، وأن الكاتب لا يميل نحو الموضوعية فى روايتيه الأخيرتين ، غير أن الحقيقة غير ذلك ، لأن دور الراوي العليم فى روايتي "عائشة الخياطة ""وكائنات هشة لليل " دور محدود هامشي ، لأن الحكى والفعل الروائي ا تقوم به الشخصيات ،على حين يكون دور الراوي العليم محدودا جداً، حيث التعليق على الأحداث أو البدء بها ، وهذا يفضي بنا إلى القول ، أن الضمير الأول أو أسلوب السرد الذاتي هو المسيطر على أعمال الكاتب بصورة عامة .
في رواية "نقيق الضفدع"تروى الأحداث كلها من وجهة نظر الراوي المشارك في الأحداث وبطل الرواية في ذات الوقت عبر رؤية داخلية ضيقة ، ومن ثم ترتب على ذلك انحسار رقعة الحكاية .
وفى "ليلة عاشوراء "نجد غلبة وجهة النظر الذاتية للشخصيتين الفاعلتين في الأحداث فمعظم الأحداث تروى على لسان إبراهيم ، على حين يستأثر أحمد براوية بقية الأحداث من خلال رؤيته هو، وربما كان الموضوعي فى الرواية هو تقابل الرؤيتان ، والأحرى تكامل الرؤيتان ، إذا أن فى اعتقادي أن شخصية أحمد مكملة لشخصية إبراهيم ، واعتماد هذا الأسلوب من السرد وتلك الرؤية الداخلية الضيقة كانا لها تأثير كبير فى تماسك البناء السردي ، وهو ما يميز هذه الرواية عن سائر أعمال الكاتب الأخرى .
أما فى روايتي "عائشة الخياطة " و" كائنات هشة ليل " فإن اعتماد الكاتب لأسلوب السرد الموضوعي واستخدام الضمير الثالث (الراوي العليم ) جاء أيضاً عبر رؤية داخلية ، والذي يعنينا فى استخدام الكاتب لأسلوب السرد الذاتي أو الموضوعي عبر رؤية سردية داخلية ثابتة أن هذه التقنية السردية تعد أبرز المقومات السردية التى فرضت الأسلوب الغنائي على روايات الكاتب ، حيث يغلب الخطاب الشعري على البناء السردي ، مما كان له تأثيره المباشر فى انفراط عقدة الحبكة وشعرية الجملة وكثافة السرد وغيرها من المقومات التى سنعرض لها فيما بعد .
2-كثافة السرد :
"لقد كشفت الدراسات السردية المتخصصة وجود ضربين من السرد ، سرد شفاف وسرد كثيف ، فحينما يختفي السرد ويتواري إلى أقصى حد لصالح الحكاية ، يظهر السرد الشفاف الذى يجعل الأحداث تسرد نفسها دون أن يشعر المتلقي بوجود الوسيط السردي ، أما حين يشير الراوي إلى نفسة كثيراً بوصفة منتجاً أو مبتكراًَ للحكاية فإن المتلقي لا يندمج مع الأحداث ولا تتحقق واقعية الحكاية ، إنما يتمزق الإيهام وتنكسر مقوماته ، فالراوي يتدخل متحدثاً عن نفسه وعن دوره مبدياً ملاحظات حول كل شئ ، وهنا يظهر السرد الكثيف ".(12)
والسرد الكثيف هو الضرب السائد عند صلاح والى فى أعماله الروائية ، وتتبدى مظاهره في حضور السيرة الذاتية للكاتب وتوجيه الخطاب إلى المستمع ، وتنوع الضمائر السردية واستخدام الحوار المسرحي بين الشخوص .
ففي نقيق الضفدع نجد نوعين من الخطاب السردي يسيران بشكل متوازي سرداً شفافاً يختفي فيه الراوي تاركاً الأحداث تعبر عن نفسها ، وسرداً كثيفاً نشعر فيها بحضور الراوي حيث يصف بدقة المكان ".
وفى "عائشة الخياطة "يتخلى الراوي عن السرد ويترك الشخوص تتحاور فيما بينها فارضة حضورها الذاتي 0 أما فى "كائنات هشة لليل " فنجد تنوعاً فى استخدام ضمير السرد حيث التأرجح بين ضمير الراوي العليم وضمير السرد الذاتي .
3-شعرية الجمل :-
تندلع فى لغة صلاح والى الروائية رهافة خاصة تتولد من جملة من الوسائل التى تكفل للنثر نشاطاً جمالياً تبدو فيه الجملة السردية أقرب إلى الشعر الغنائي حيث التصوير المجازى ، والثراء الصوتي والإيقاع الموسيقى والألفاظ الموحية . وعلى الجانب الآخر قد يصدمنا الراوي بألفاظ فجة . غير أنها تأتى فى سياق فرض نوع من الكثافة السردية التى تكسر الإيهام .
على أية حال لن يتخلى صلاح والى بداية من روايته الأولى عن استخدام الصيغ الشعرية فى بنائه السردي ، فيعد المجاز أبرز الوسائل التى يعتمد عليها فى لغته سواء فى وصفه الخارجي للأحداث والشخوص أم فى منولوجاته الذاتية .
فى "نقيق الضفدع " يعمد الكاتب إلى تشخيص الطبيعة الساكنة فالبيوت تشعر بالشموخ والعظمة وتتجاوب مع عناصر الطبيعة الأخرى .
"الشموخ والعظمة التى تحسها جدران البيت الكبير عن بيوت الطين التى تستطيع بسهولة أن ترى أسطح تلك البيوت الطينية لم يمنعها من الخوف والرهبة إزاء تكتل هذه الكتل الطينية المتراصة وإزاء هذا الهمس والأزيز المتواصل أثناء الليل ، كانت هناك أحاسيس دائمة بأنه لا شئ ينفذ من وإلى البيت الكبير غير الأرض الواحدة ، تفرد البناء بأحجاره الحمراء وازدهى وبالغ فى التيه بطلائه الأبيض والأصفر ، لكن الإحساس بالغربة لم يفارقه(13) " ولا تأتى شعرية الجمل من استخدام المجاز فحسب ، لكن من استخدام الجمل ذات الإيقاع ،بل إن السرد يأخذ أحيانا شكل القصيد الشعرى ؛ فى "ليلية "عاشوراء" نقرأ على لسان إبراهيم :
وصالحتها ليلة الأمس يا ناس وأكلت اللحم والبط يا ناس.
ودفعتني إلى بيت أبيها كان بيني وبين الجنة خطوة .
فإذا بها ليلة ونهار كامل بالنيابة (14)

ولعل رواية "عائشة الخياطة" أكثر أعمال الكاتب استخداماً لصيغ الشعر سواء على مستوى الجملة أم على مستوى المفردة ، وسيكون من الإطالة الاستشهاد بفقرات من الرواية لكثرتها .
أما فى "كائنات هشة لليل " فيلجأ صلاح والى إلى استخدام الجمل الشعرية عبر التضمين الشعري حيث يجعله جزءاٍ من السرد فيأتي بالبيت الشعري أو البيتين ، بل أنه يأتى بقصائد كاملة، فى الفصل التاسع ،الفقرة (أ) يبدأ ببيت شعري على النحو التالي :-
ما كنت أعلم ما مقدار وصلكم حتى هجرت وبعد الهجر تأديب (15)
ثم يبدأ الفصل التاسع ،الفقرة(ب) بقصيدة كاملة للشاعر الزنجي( لي مارفى) وسيكون من الإطالة إيراد القصيدة كاملة هنا . وهذا التضمين الشعري داخل سياق السرد يكسر ابهامه ومن ثم يتحول الخطاب السردي إلى خطاب شعري يدعونا إلى التأمل والتوقف قليلاً أمام الأحداث .
4-استخدام الأسطورة والرمز :
تبدو الأسطورة والرمز قاسماً مشتركاً فى جميع روايات صلاح والى ، ففي" نقيق الضفدع "
لا يستدعى الكاتب الأسطورة من الموروث الشعبى أو الديني أو التاريخ فحسب ولكنه يخلق الأسطورة فالبيوت الطينية المتراصة والأشجار وعناصر الطبيعة فى قرية السكاكرة تبث فيها الروح الأسطورية مكونة ما أسماه الدكتور صلاح السروى بأسطورة المقاومة (*)
أما صوت نقيق الضفدع فرمز يلاحق البطل عند كل أزمة ،فالنقيق هنا صوت الذكر الذى يدعو أنثاه ، وكأني بالكاتب يجعل من صوت النقيق رمزاً للقوة والفحولة التى يحتاج إليها البطل عند لحظات الضعف ومواطن الأزمات .
وفى الرواية الثانية (ليلة عاشوراء) يستدعى الكاتب الأسطورة من الموروث الديني ويوظفها توظيفاً أكاديمياً إذا جاز هذا التعبير فهو على وعى بأبعاد الأسطورة .
فليلة عاشوراء هي الليلة التى انتصر فيها موسى على فرعون ، فقد روى أن يوم عاشوراء كان يوم الزينة الذى كان فيه ميعاد موسى لفرعون ، وإنه كان عيداً لهم ويروى أن موسى عليه السلام كان يلبس فيه الكتان ويكتحل فيه بالأثمد ، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر فى عهد الرسول (ص) يتخذونه عيداً ، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم فى ذلك ، وكانوا يسترون فيه الكعبة .(16)
وفى هذه الليلة أيضاً قتل أهل البيت وعلى رأسهم الحسين ابن على ، ويأتى توظيف الكاتب هنا لليلة عاشوراء من خلال التقابل بين البطل المهزوم وبين أهل البيت .
" - كيف تكون الليلة . مفترجه وقتل أهل البيت ؟
كيف تكون مباركة …. أهي مباركة لأن أرواحهم صعدت إلى بارئها مخترقة وجه السماء واصلة إلى سماواته العدل العلا !
هذه الليلة لا مفترجة ولا يحزنون "(17)
وفى الرواية الثالثة "عائشة الخياطة " يدخلنا صلاح إلى عالم الجن والعفاريت والاعتقاد الشعبى فى زواج الجن من الإنس ، ويفرد صفحات كاملة لتفسير أسطورة عائشة الخياطة ، إنه يجعل من عائشة قديسة مثلها مثل مريم العذراء وإيزيس . وكان قد مهد لهذه الأسطورة فى رواية "ليلة عاشوراء " ففي حوار بين إبراهيم بطل الرواية والدكتورة زينب رئيسة القسم فى كلية الآداب يوضح لها من تكون عائشة الخياطة فيقول:
"عائشة الخياطة تلك التى أرقصت دمى على نقر الدرابك ، مغنية قريتنا التى لم تؤرشف فى إذاعة أو تلفزيون أو صحافة أو ضمها كتاب لكنها حفرت فى ضمير الناس والأشجار والحقول ، وما غناء الطيور إلا ترديد أو تقليد لها فلولاها ما غنت الطيور ولا صدحت وما هدلت (18)
وقد جعل صلاح والى الفصل رقم (13) من الرواية على لسان عائشة فوجدنا الأسطورة تتحدث بنفسها وتتكلم عن عشقها لأحمد والسكاكرة فى لغة شعرية سامية مؤكدة تيمتى الحب والتوحيد فعائشة هنا بقدر ما هي أسطورة هي رمز أيضاً لاستمرار الحياة وتدفقها ، ورمز للعشق والوحدة والتآلف :
لكل زمان عائشة .
ولكل زمان أحمد "(19)
وتقول أيضاً "أنا عائشة وهو أحمد "
هو عباءة تسترني عارية من نفسي فى توحدي معه فأراني وأراه فى عين اللحظة ، هو عندما أريده أجدنى ، فأنا بدونه عارية فى وجع الليل ، أسير وروحي نعل مقطوع الشعث ونفسي لبن يترجرج مسكوباً فوق مرايا الحلم ولا أملك من أمري شيئاً بين يدين احتوتا العالم فهو عندما احتويه يحتويني وعندما يحتويني احتوى العالم وزيادة ويحرقني فيتجدد معدني وأصير جديدة فى كل مرة " (20)
ونصل إلى "كائنات هشة لليل " فنجد الكاتب يجعل من الشخوص وحكاياتهم كل ليلة شخصيات أسطورية يقصون علينا من فوق الجبال حواديت أسطورية أيضاً ، فتتبارى الشخصيات فى الحكى ، وعندما تتجه الشخصية إلى داخل ذاتها ، فإنها تحكى رحلاتها الأسطورية خارج المكان القرية / فى القاهرة وباريس وألمانيا وغيرها من بلاد الله ، وكلها حكايات عجيبة وأحداث مبالغ فيها، تتأرجح بين الواقع والخيال .
5-الاستفادة من أسلوب الحكى الشعبى :-
إن صلاح والى لم يستفد من الحكايات الشعبية فى القرية فحسب ، ولكنه استفاد أيضاً من أسلوب الحكى الشعبى واستثمر هذا الأسلوب فالراوي العليم يترك الحرية الكاملة للشخوص لكي تحكى بنفسها الأحداث بصورة مرتجلة دون تدقيق أو تشذيب للأحداث أو اللغة ، ولعل صلاح بالغ فى الاستفادة من هذه التقنية فى روايته الأخيرة ؛ مما جعل الرواية معرضاً لأساليب متنوعة غير متجانسة ، هذا بالإضافة إلى ترهل بنائها السردي
والشعرية فى هذه الرواية لا تتأتى من التنوع الأسلوبي ، ولكنها تأتى من أسلوب الحكى الذى يعتمد على الخطاب المباشر والإيقاع الذى يشد المستمع إليه .
وبعد فآمل أن تكون هذه الدراسة المتعجلة قد لامست عالم صلاح والى الروائي واستطاعت أن تخترق حجبه ، فاتحة الطريق أمام دراسات أخرى أعمق وأشمل من هذه الدراسة أو على الأقل مكملة ما اعتراها من نقص .
د.محمد عبدالحليم غنيم
6/4/2002


المصادر والمراجع


1- صلاح والى : - نقيق الضفدع : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1988 .
 ليلة عاشوراء :- دار الهلال ، القاهرة ، 1992 .
 عائشة الخياطة :-الهيئة المصرية العامة للكتاب (مختارات فصول) القاهرة ، 1997 .
 كائنات هشة لليل ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، 2000 .
2-صلاح السروى :- رواية نقيق الضفدع لصلاح والى الاستلاب وأسطورة المقاومة ، مجلة أدب ونقد ، القاهرة ، 1993 .
3-عبد الله إبراهيم :- السرد الكثيف فى الرواية العربية ، مجلة علامات فى النقد المجلد السابع والعشرون ، جدة ، 1998 .
4-محمد عبد الحليم غنيم :- الفن القصصي عند فاروق خور شيد ، رسالة دكتوراه مخطوطة كلية الآداب ، جامعة المنصورة ،2001.


7 5

ريم
12-07-2003, 05:27 PM
تسلم ايديك يا اخي لطالما تسائلت عن معنى مصطلح السرد الروائي وعلاقته بالشعر
وفقك الله 12

مجدولين
03-12-2005, 02:18 PM
الأخ محمد غنيم .. أو الدكتور محمد غنيم ..

شكرا لك على هذه الدراسةالنقدية الممتعة لروايات صلاح والي التي امتعتنا بها ... وعلى إلقاءك الضوء على عملية السرد الروائي بصفة عامة..
استمتعت كثيرا بالجزء الذي تحدثت فيه عن كثافة السرد والسرد الشفاف وشعرية الجمل واستعمالاتها في النصوص الروائية ...
لك الشكر كله أيها الأديب الكبير ...
أتمنى أن أقرأ لك دراسات أخرى بهذا المستوى الراقي ...

آمل أن نستفيد جميعا من ثقافتك وخبرتك الكبيرة في النقد الأدبي ..

ولك خالص التحية والتقدير