المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فاروق خورشيد مبدعا



محمد غنيم
11-26-2003, 04:38 PM
فاروق خورشيد مبدعا

الأديب فاروق خورشيد كاتب عربي مصري غزير الإبداع متنوع الإنتاج، له إسهاماته في مجالات الإبداع الأدبي والنقدي والإذاعي والتراث الشعبي، كتب في جميع فنون الأدب المعروفة تقريبا، القصة القصيرة والرواية والمسرحية الطويلة والقصيرة وقصص الأطفال والدراما الإذاعية والبرامج الإذاعية الثقافية والصحافة والدراسات الأدبية والنقدية حول فنون الأدب والتراث الشعبي .
ويبدو أن شهرة فاروق خورشيد كدارس وباحث في التراث الشعبي والسيرة الشعبية على وجه الخصوص، فله حولها خمسة كتب ( )إلى جانب دراسات أخرى حول الأدب الشعبي بصورة عامة يبدو أن ذلك قد طغي على شهرته كاتبا مبدعاً في فنى القصة القصيرة والرواية، على الرغم من أنه هو الجانب الأساسي في إبداع الكاتب الذي يعتز به، ولا يقبل ألا يعرف به..
ولفاروق خورشيد أربعة وخمسون كتاباً منشوراً موزعة ما بين الدراسات الأدبية والنقدية والأدب الشعبي والقصة القصيرة والرواية والمسرح وأدب الكلمة وأدب الرحلات وأدب الطفل( ) يمثل الإبداع الأدبي الجانب الأكبر منها فله في الرواية والقصة القصيرة ستة عشر كتاباً، وله في المسرح أربعة كتب وله في أدب الكلمة كتابان (*) وله في أدب الطفل عشرون كتابا..
وسنقتصر في دراستنا هنا على إبداع فاروق خورشيد في فنى القصة القصيرة، دون أن ندرج القصص التى كتبها للأطفال لأنها تستحق دراسة مستقلة ومنهجاً مغايراً في البحث.
نشر فاروق خورشيد أول قصة قصيرة له عام 1948 بمجلة الكشكول الجديد تحت عنوان " العذاب" ( ) وهى قصة يستلهم فيها المؤلف أحداث سيرة الظاهر بيبرس، وقد أعاد نشرها في مجلة القصة عام 1964 ( )، إلا أنه لم ينتظم في النشر والكتابة إلا بداية من عام 952، حيث واظب على نشر قصصه القصيرة في المجلات الأدبية المعروفة في ذلك الوقت، فأثمر ذلك على ظهور أول مجموعة قصصية له عام 1961 تحت عنوان [ الكل باطل ] وليس المقصود هنا استعراض أعمال الكاتب والتأريخ لمواقيت صدورها، ولكن أردنا أن نؤكد على أصالة جانب الإبداع القصصي لدى الكاتب وسبقه على جوانب إبداعه الأخرى، فقد أصدر حتى الآن : ست مجموعات قصصية قصيرة، وفى مجال الرواية أصدر إحدى عشرة رواية، تتجه في معظمها إلى الاستفادة من التراث بشكل أو بآخر، وتشكل هذه المجموعات الست وتلك الروايات الإحدى عشر مادة هذا البحث.
[ 2 ]
وعلى الرغم من وفرة الإبداع القصصي لدى فاروق خورشيد واتساع الفترة الزمنية التى كتب فيها هذا الإبداع، إذ يمارس كاتبنا إنتاج الفن القصصي منذ نصف قرن ولا يزال ينتج حتى هذه اللحظة، على الرغم من كل ذلك، فأننا سنلاحظ قله الدراسات النقدية التى تناولت هذا الإبداع، كما أنه لم تتوفر حتى كتابة هذا البحث دراسة مستقلة تنفرد بدراسة إبداع فاروق خورشيد أو جانب منه على الأقل. .
وتقتضى الأمانة العلمية أن نعرض لهذه الدراسات السابقة، التى استفاد منها الباحث لا شك في ذلك، على أننا سنقتصر على أبرز تلك الدراسات وخاصة تلك التى قام بها نقاد معروفون..
كان الدكتور أحمد كمال زكى أول من التفت إلى قصص فاروق خورشيد القصيرة بعد صدور المجموعة الأولى مباشرة، فلاحظ اعتماد القصص على اللغة الشعرية والرمز واستخدام الأساطير وتيار الوعي لذلك فهو أقرب إلى أسلوب فوكنر، فيقول " وفاروق خورشيد ينفعل حتى يكاد انفعاله أشبه بحمى عارمة وهنا تكون عبادته منفذا لعالم يختلط فيه الحلم بالواقع باليوطوبيا التى تطل دائماً من وراء فكره المتواثب، ويقترب من ثم دون أن يشعر من فوكنر صاحب " تكنيك الفوضى " مازجا بين أبعاد الزمن قاطعاً الحدث كي يبرز الحركة النفسية وهكذا من خصائص العمال الغنائية ومن أهم ما بطبع القصيدة المعاصرة " ( )
وتبدو أهمية دراسة أحمد كمال ذكى في اكتشافه لاقتراب قص خورشيد القصيرة من القصيدة المعاصرة لغلبة الطابع الغنائي عليها .
وقد التقط الدكتور السعيد الورقي الخيط في دراسته المعنونة بـ" اتجاهات القصة القصيرة في الأدب العربي المعاصر في مصر " ليؤكد على الفكرة ذاتها، فأدرج فاروق خورشيد – من خلال تحليله لنماذج من مجموعته القصصية الأولى "الكل باطل" – على رأس أصحاب "تيار الوعي والواقعية الفردية في القصة القصيرة" مع كل عبد الفتاح رزق و عبدا لعال الحمامصى وحسن البندارى. ، إذ "يمثل فاروق خورشيد أكثر كتاب القصة القصيرة في مصر تناولاً للحديث الذاتي، وهذا الحديث يمتاز الذاتي عنده بأنه فكر منظم غير منطوق ( ).
وقد تناول الدكتور مراد عبد الرحمن مبروك قصص فاروق خورشيد القصيرة أيضاً في كتابه "الظواهر الفنية في القصة القصيرة المعاصرة في مصر (1967 – 1984) ، وذلك من خلال تحليله المجموعة الثانية "القرصان والتنين" وعد خورشيد أحد الكتاب الذين حاولوا التجديد في بناء القصة القصيرة قبل عام 1967، فيصف قصة القرصان والتنين فيقول : " فهذا العمل أيضاً تخطى إشكالية التقليد ، بل استشرف أيضاً الواقع الحياتي ليجسده بالوسائل التعبيرية التى كتب لها مواكبة الشكل الجديد ،وإن
كانت هناك بعض القصص التى تعتمد على البداية أو العقدة والحل أو النهاية لكنها تجاوزت المرحلة الواقعية حيث تحمل روح التخلص من إشكالية التقليد بتكثيف الحدث ذاته". ( )
وأما في مجال الرواية فقدم الأستاذ يوسف الشار ونى أول دراسة عن الفن الروائي لدى فاروق ورشيد وذلك ضمن كتابه "نماذج من الرواية المصرية" عندما تناول بالتحليل رواية (على الزيبق) تحت عنوان "على الزيبق بين السيرة والراوية" حيث درس العلاقة بين الرواية والسيرة الشعبية، وكيف وظف خورشيد الأخيرة روائياً ، ليس في رواية "على الزيبق " فحسب ،بل في عمليه السابقين "سيف بن ذي يزن" و " مغامرات سيف بن ذي يزن " أيضا ، وقد توصل الشار ونى إلى أن " محاولات فاروق خورشيد في هذا المجال ليست كلها في مستوى واحد. ( )
ويقارن الشار ونى بين ما قام به خورشيد في"على الزيبق" وعمليه السابقين، فيرى أنه قدم في " مغامرات سيف بن ذي يزن. " مضموناً معاصراً إلى جانب الشكل الروائي المعاصر، أى أنه أسقط همومنا المعاصرة على ما أمده به المصدر من وقائع وأحداث ، بينما اقتصر في كل من "سيف بن ذي يزن" و "على الزيبق" على إضاءة المعاصرة على بعض الجوانب الفرعية للمضمون دون أن يمس جوهره.( )
وإذا كان الشار ونى قد توقف عند راوية "على الزيبق" فإن أستاذي الدكتور حلمي بدير في كتابه "أثر الأدب الشعبي في الأدب الحديث" يتوقف عند رواية "مغامرات سيف بن ذي يزن " لكاتبنا ، وذلك في سياق الفصل الخامس من الكتاب المذكور الذى خصصه لأثر سيرة سيف بن ذي يزن في الرواية المصرية، فأكد على الاختلاف الواضح بين نص السيرة ونص الرواية ، وأن صياغة فاروق خورشيد للسيرة الشعبية في شكل روائي معاصر لا يغنى عن النص الأصلي للسيرة إذ "أن إعادة صياغة السيرة الشعبية بأسلوب وشكل معاصرين، عمل يثرى التجربة الروائية ويقرب المتلقي من تجاربه الشعبية السابقة، ولكنه لا يصلح مادة لدراسة الأدب الشعبي يعتمد عليها، لتكون بصورتها الكاملة تحت يد الدارسين تطرق أبوابهم إذ أن النص الشعبي المتوارث لا تكمن قيمته إلا في هذا النوع من الأسلوب والراوية والحشو والزيادات والأشعار الركيكة وغير الركيكة واللغة الفصحى المحرفة أو العامية المفصحة. ( )
غير أن هذه الصياغة الجديدة لسيرة " سيف بن ذى يزن " أنتجت لنا شكلاً جديداً يحمل مضامين وتقنيات روائية معاصرة، فمن ناحية المضمون فإن المؤلف استغل محتوى المغامرات " فجعلها تبدو وكأنها جزء من حلم كبير، أو أضغاث أحلام ،أ وفى بعض مراحلها الكثيرة نوعاً من الكابوس بحيث تصلح كتفسير نفسي لما ترتب على هروب منية النفوس بابنها من الملك سيف. ومن خلال هذا الحلم تتكشف بعض المعارف التى يسعى الملك سيف مدفوعا بحب الاستطلاع لمعرفتها، وهو شعور لا يصاحب المتلقي عند الإطلاع على نص السيرة الشعبية بأحداثها وهو أيضاً نوع من التكنيك الروائي، نجح المؤلف به في استيعاب المغزى من المغامرات التى تعرض لها الملك سيف.. لا لإثبات شجاعته فحسب، ولكن لإثبات إصراره وسعيه- شأن الإنسان بصفة عامة – نحو المعرفة. " ( )
أما على مستوى الشكل فقد لاحظ الدكتور حلمي بدير أن المؤلف استعان بعناصر الشخصيات الروائية جمعياً في السيرة ومزج – كما فعل في المضمون – بين الشخصيات الواقعية والشخصيات الأسطورية، وإجمالا فإن رواية " مغامرات سيف بن ذي يزن" قد صيغت صياغة جديدة تتلاءم مع العصر في مضمونه، وفى محتواه، وفى أهدافه، وفى لغته وأسلوب، وهو أسلوب ينبئ عن دراية باللغة يختلف عن أسلوب السيرة. ( )
ويبدو أن روايات فاروق خورشيد التى استلهم فيها التراث الشعبي بشكل مباشر كانت اكثر حظاً من رواياته الأخرى ومجموعاته في القصص القصير على سواء، فقد عاد الدكتور مراد عبد الرحمن مبروك في رسالته للدكتوراه التى ظهرت في كتابه تحت عنوان "العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر –دراسة نقدية ،1914-1986" لدراسة روايات فاروق خورشيد فتوقف عند روايتي "سيف بن ذى يزن" و "على الزبيق" ليخلص إلى أن خورشيد بهاتين الروايتين يمثل المستوى الأول في توظيف الشكل الشعبي حيث تأتى الرواية "في هذا المستوى أقرب إلى صياغة الليالي والسيرة الشعبية في شكل روائي"( )
وإذ نلاحظ هذا الاهتمام براويات الكاتب التى ظهرت في الستينات والتى استلهم أو وظف فيها السير الشعبية العربية، فإن روايات الكاتب الأخرى كانت أقل حظا في التناول النقدي والمتابعة، لدرجة أن بعضاً منها لم يلق متابعة نقدية واحدة حتى الآن، فلم تصدر أية دراسات عن كل من "خمسة وسادسهم" و "إنها تجرى تجرى إلى البحر والبحر ليس بملآن" وعند استعراض الدراسات التى تناولت روايات الكاتب ، لا نجد أكثر من دراسة نقدية أو متابعة للرواية، فيما عدا رواية "وعلى الأرض السلام" التى حظيت بثلاث دراسات، وأحدثها للدكتور حلمي بدير وسيكون من الإطالة في هذه المقدمة الوقوف عند هذه الدراسات جمعيها، وإن كنا أشرنا إليها في صلب البحث، لذلك سنكتفى بالإشارة إلى دراستي كل من الأستاذ سامي خشبة والدكتور حلمي بدير.
لقد كانت دراسة سامي خشب "السير الشعبية محاولة لاكتشاف الجذور في أعمال فاروق خورشيد " الدراسة الوحيدة التى تناولت رواية "حفنة من رجال" على الرغم من ظهور طبعتين لهذه الراوية حتى الآن. وقد أكد سامى خشبة على استفادة خورشيد من سيرة الظاهر بيبرس فى بناء الراوية شكلاً ومضموناً فقال "ومن يعرف سيرة الظاهر بيبرس المصرية العربية سيكتشف بسرعة العلاقة التحتية بينها وبين رواية "حفنة من رجال" ( )
أما دراسة الدكتور حلمى بدير لرواية" وعلى الأرض السلام" الواردة فى كتابه روايات من مصر – تجارب فى النقد التطبيقى" فتبدو لنا أهميتها فى اعتمادها منهجاً نقدياً ينطلق من التركيز على العناصر التيمية فى العمل الروائى بوصفها الأساس فى البناء الفنى والشكل الروائى ، وهو منهج لا يتعارض مع المنهج الذى انطلقت منه فى هذه الدراسة عن أعمال فاروق خورشيد القصصية ، كذلك لايتعارض مع المنهج الشكلى بصورة عامة، فعند النقد الروسى توما تشيفسكى – على سبيل المثال- "المبدأ الموحد فى البنية القصصية هو فكرة عامة أو تيمة".( )
وقد انطلق الدكتور حلمى بدير فى دراسته لرواية "وعلى الأرض السلام" من تيمة رئيسية أو فكرة عامة، هى مصر فى الرواية، فأشار إلى هذه الفكرة فى مقدمة الكتاب فقال " هذه روايات مصرية أو روايات مصرية أو روايات من مصر، هدفها جميعاً محاولة إيقاظنا من ثباتنا العميق الذى لازلنا نعيش فيه".( ) ثم فى موضع آخر "هذه روايات مصرية بها هموم الفلاح المصرى والعامل المصرى، والمثقف المصرى ، والسياسى المصرى ، هى هموم أولاد حارتنا" ( ). ولم يقف الدكتور حلمى بدير فى رواية "وعلى الأرض السلام" عند التيمة الرئيسية وحسب، فتعرض أيضاً للتيمات الفرعية أو الجزئية كتيمة التراث الشعبى " والمعروف العربى هو شغل فاروق خورشيد الشاغل، بشقيه الرسمى والشعبى، وهو شغوف بالبصمة المصرية الخاصة به" ( ) وقد ربط الدكتور حلمى بدير بين التيمة وبناء الرواية الفنى من حيث الشكل السردى والأسلوب واللغة،أما نحن فقد استفدنا من هذا المنهج استفادة كبيرة عند دراستنا لقصص خورشيد القصيرة فى الباب الأول ولرواياته فى الباب الثانى،كما سيظهر فى صلب البحث ولابد من الإشارة فى نهاية هذا العرض إلى أن رواية "الزمن الميت" حظيت بمقالتين جادتين الأولى للدكتور شكرى عياد، تحت عنوان "هجاء الزمن الميت" حيث أكد فيها على الربط بين أحداث الرواية وسيرة فاروق خورشيد الذاتية إذ يقول: " قد يزيد ارتباكنا ولايخفى،حين نلاحظ أن الحدود تكاد تنمحى بين الكاتب فاروق خورشيد وبطل روايته".( ) أما المقالة الثانية ، فكانت للدكتور أمين العيوطى تحت عنوان " تجربة روائية جديدة في الزمن الميت لفاروق خورشيد" وقد اتفق فيها مع المقالة الأولى على وجود علاقة بين أحداث الرواية وسيرة الكاتب الذاتية، غير أنه من جهة أخرى أكد على أثر تيار الوعى في بناء الرواية ، حيث نجد أصداء لعوليس جيمس جويس والمحاكمة لكافكا ، " وفى هذا قد يجد القارئ أصداء لعوليس جويس الذى لا يتجاوز الحدث فيها يوماً واحداً ،مثلما يجد أصداء لأسلوب جويس المتميز في استخدامه لتيار الوعى أو الجو الكابوسى في محاكمة كافكا". ( )


[3]
كانت تلك أهم الدراسات التى تعرضت لبعض أعمال فاروق خورشيد، الكاتب الروائي، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا اختيار موضوع " الفن القصصي عند فاروق خورشيد " موضوعاً للبحث ؟ وهل تستحق أعماله في القصة القصيرة والرواية أن يفرد لها بحث مستقل ؟
يزعم الباحث أن أعمال فاروق – فنه القصصي – تستحق أن يفرد لها مثل هذا البحث المستقل، والذي وضع له عنوان ( الفن القصصي عند فاروق خورشيد دراسة نقدية ) وذلك للأسباب والدوافع التالية :
1- تميز إنتاج الكاتب وتنوعه حيث الميل إلى التجديد في الشكل والبناء وذلك باستخدام تقنيات جديدة في القصة القصيرة والرواية على السواء .
2- يثير إنتاج الكاتب في القصة القصيرة والرواية الكثير من القضايا النقدية كتداخل الأنواع الأدبية والتأثر بالتراث السردي القديم من خلال استلهام أشكاله ولغته وتقنياته.
3- قله الدراسات التى تناولت أعمال الكاتب على الرغم من تميزها باعتراف النقاد أنفسهم الذين تناولوا بعض هذه العمال، فضلا عن ذلك فبعد نصف قرن من الإبداع المتواصل لم تصدر عند الكاتب دراسة مستقلة تتناول مجمل أعماله في الرواية والقصة القصيرة ومن ثم كانت ضرورة هذا البحث.
4- تبقى بعد ذلك مغامرة البحث وحب المعرفة وتجريب منهج نقدي تفرضه أعمال الكاتب ذات الاتجاه التجديدى على مستوى الشكل والمضمون.
وإذا كانت هذه الدوافع أو الأسباب تبدو مقبولة – في رأى الباحث – لاختيار هذا الموضوع، فإن ثمة سؤال آخر وهو ( لماذا الاقتصار على دراسة القصة القصيرة والرواية على الرغم من تنوع إنتاج الكاتب الإبداعي ؟ والإجابة في بساطة أن دراسة واحدة لا تكفى لدراسة جميع جوانب إبداع الكاتب الإبداعي ؟ والإجابة في بساطة أن دراسة واحدة لا تكفى لدراسة جميع جوانب إبداع الكاتب المختلفة، حيث أن كلا من المسرح وأدب الأطفال على سبيل المثال تستحق دراسة مستقلة، هذا فضلاً عن إنتاج خورشيد في مجال الدراسات الأدبية والتراث الشعبي، يستحق أيضا دراسة منفصلة بمنهج مستقل، وفوق كل هذا فان المادة التى يتناولها البحث المائل مادة كبيرة بما فيه الكفاية، حيث يتناول البحث ست مجموعات قصصية تضم اكثر من سبعين قصة قصيرة وإحدى عشرة رواية ما بين قصيرة وطويلة يتكون بعضها من جزأين، وقد فرض علينا هذا الاتساع في المادة الروائية على وجه الخصوص اللجوء إلى مبدأ الانتقاء، وذلك عند تناولنا روايات الكاتب التى يوظف فيها التراث الشعبي في الفصل الأول من الباب الثاني.
[ 4 ]
ينطلق الباحث في دراسته لأعمال فاروق خورشيد في مجال القص من رؤية للعمل الأدبي مؤداها أن العمل الأدبي تشكيل جمالي باللغة يصنعه منهج " مؤلف " بهدف توصيل رسالة ما إلى المتلقي، إذن هناك النص الذى لا يتأتى من فراغ، وهناك المؤلف وهناك المؤلف وهناك المتلقي فهذا ثالوث متشابك ومترابط، فلا يمكن دراسة واحد منه دون التعرض إلى الآخر.
والنص الأدبي عند فاروق خورشيد – قصة قصيرة أو رواية – نص منقح، فهو نتاج لنصوص أخرى أو إعادة إنتاج لنصوص سابقة على حد قول أصحاب نظرية التناص، إذ يستلهم الواقع المعاصر من ناحية والماضي من ناحية أخرى، بل إنه قد يستعير لغة نصوص أخرى قديمة وحديثة على السواء، لذلك كانت دراسة النص الأدبي عند فاروق خورشيد بوصفه وحده لغوية مغلقة لا تكفى، كما أن دراسة هذا النص دراسة مضمونية أو أيديولوجية لا تكفى أيضا.
لهذا رأى الباحث أن يستخدم منهجاً نقدياً يتناسب وهذه النص المفتوح ويغطى دراسته من الداخل والخارج معاً، من هنا كانت محاولة الاستفادة كم جميع المناهج النقدية التى تتناول العمل الأدبي من الداخل دون إغفال للمناهج التى تتناوله من الخارج.
أما المنهج الذى تناولت به أعمال فاروق فيتمثل في الانطلاق من الشكل، ونقصد بالشكل هنا العمل الأدبي في مظهره الخارجي الملموس حيث أن " الشيء الملفوظ وتحليله يشكلان ميدان النقد الأدبي( ) كما يقول أحد أبرز نقاد هذا المنهج، ثم الاستعانة بالمناهج النقدية الأحداث المتمثلة في السيميولوجيا والتناص ونظرية الأنواع الدبية، هذا بالإضافة إلى المناهج التى تمس العمل الأدبي من الخارج كالمنهج التاريخي وسيرة الكاتب الذاتية.
[5]
ويرتبط باستخدام هذا المنهج الصعوبات التى قابلت الباحث، وهى صعوبات ترتبط بالمادة المدروسة وطبيعة أعمال الكاتب، فثمة مادة أدبية متسعة ومتنوعة، شديدة التباين، ما بين قصة قصيرة تقترب من القصيدة، ورواية طويلة، ورواية تعيد صياغة التراث الشعبي ورواية تستلهم هذا التراث وتعيد صياغته برؤية تعبيرية، وهذا التباين في الأنواع الأدبية حيث لكل نوع أدبي حدوده وبناؤه الفنى الخاص به، ولفته أيضا، مما تطلب من الباحث أن يقرا قراءات موسعة حول هذه الأنواع الأدبية وقراءة نماذج أدبية سواء فى الآداب الغربية ام فى الأدب العربى .
وإلى جانب ذلك فرض انفتاح أعمال خورشيد على التراث العبى كالسير الشعبية وألف ليلة وليلة والتراث الفرعونى والدينى، وانفتاحها أيضا على التراث الغربى، فرض ذلك كله على الباحث أن يقرأ بشكل واسع فى هذا التراث، فكان لا بد من قراءة السير الشعبية العربية التى أعاد فاروق خورشيد صياغتها فى بعض رواياته أو استلهمها ، وقراءة العهدين القديم والجديد وأعمال الكتاب الذين أشار إليهم خورشيد ك( هنري ميلر وكافكا و وألبير كامى وغيرهم).
وفوق كل ذلك تعد نصوص خورشيد شديدة الصعوبة، حيث يخرج فيها عن البناء التقليدى لفنى القصة والرواية، لذلك تطلبت بعض النصوص قراءاتها عدة مرات.
ومع تقديرى للدراسات السابقة التى تناولت أعمالا مفردة لفاروق خورشيد، فقد استفدت منها لا شك فى ذلك، كما هو واضح فى صلب البحث فإنني أضيف هنا صعوبة أخرى هى قلة هذه الدراسات السابقة، لأنه لم توجد من بينها دراسة واحدة شاملة لأعمال الكاتب أو لأحد فنون القصة عنده.، وإذ نكتفى بهذه الصعوبات التى واجهت الباحث والتى اعتقد أن فصول البحث سوف تفصح عنها، فنقول إن هذه الصعوبات جميعاً قد ذللت والدليل على ذلك الانتهاء من هذا البحث الذى بين أيدينا، والذى جاء فى مقدمة وبابين وخاتمة.
الباب الأول : فن القصة القصيرة عند فاروق خورشيد
وقد قسمته إلي فصلين، يمثل كل فصل مرحلة متميزة لدى الكاتب.
الفصل الأول: مرحلة التكثيف الشعرى والرمزى .. تناولت فيه المجموعات الثلاث الأولى "الكل باطل" و "القرصان والتنين" و "حبال السأم" حيث يميل خورشيد بالقصة نحو بناء القصيدة الشعرية فيستعين بتقنيات الشعر وتيار الوعى والرمز.
أما الفصل الثانى : المرحلة الدرامية وبناء القصة القصيرة، فقد تناولت فيه دراسة المجموعات الثلاث الأخيرة "المثلث الدامى" و "كل الأنهار ر" و "زهرة السلوان" حيث تخلص خورشيد من أثر البناء الشعرى فى القصة ومال بها نحو الصيغة الدرامية حيث تبدو القصة محكمة البناء ذات صراع درامى وشخصيات محدودة ومغزى واضح.
والباب الثانى : فن الرواية عند فاروق خورشيد
وقد قسمته إلى ثلاثة فصول:
فى الفصل الأول : النص التراثى وقالب الرواية، تناولت فيه نصوص خورشيد التى تعالقت مع نص تراثى قديم بشكل مباشر، ونظراً لاتساع المادة المدروسة فى هذا الفصل فقد اكتفينا بدراسة ثلاثة نماذج روائية بصورة مفصلة يمثل كل نموذج مرحلة من مراحل توظيف الكاتب للتراث السردى القديم، فكانت دراسة رواية "سيف بن ذى يزن" لتمثل المرحلة الأولى حيث يعيد الكاتب صياغة النص التراثى القديم وفق رؤية تسجيلية تغلب فيها العناصر التراثية على البناء السردى ورواية "ملاعيب على الزيبق" لتمثل المرحلة الثانية فى توظيف الكاتب للتراث السردى، يقيم الكاتب توازنا بين الأبعاد التراثية والأبعاد الحضارية، فهو لا يعيد صياغة التراث بقدر ما يسقط هذا التراث على الحاضر والواقع المعاش..
أما رواية [ حفنة من رجال ] فتمثل أقصى مراحل تطور الكاتب فى توظيف التراث ، حيث ينقض الكاتب هذا التراث ليقدم بناء سرديا جديداً يعيد صياغة الحاضر وينقضه دون إغفال الماضى، وذلك وفق رؤية تعبيرية .
وجاء الفصل الثانى : " الرواية الشعرية " لأتناول فيه روايتى "خمسة وسادسهم" و "الزمن الميت" اللتين تشكلان فى مجموعهما سيرة ذاتية للكاتب، بوصفهما روايتين شعريتين حيث يستعين فيها الكاتب بتقنيات الشعر كالصورة والرمز وتيار الوعى والسيرة الذاتية وأسلوب السرد الذاتي وغيرها من مقومات الرواية الشعرية، وقد جعلت لكل رواية محوراً خاصاً أو قسما مستقلاً، إذ يغلب على الرواية الأولى "خمسة وسادسهم" تيار الوعى، لذلك أطلقت على هذا المحور " شعرية تيار الوعى " أما الرواية الثانية "الزمن الميت" فيغلب عليها مفهوم السيرة الذاتية، لذلك أطلقت على محورها : شعرية السيرة الذاتية.
أما الفصل الثالث " شعرية الرواية القصيرة " فتناولت فيه ثلاث روايات للكاتب تتميز جميعها بالقصر، أو بالضبط تنتمى إلى فن الرواية القصيرة أو النوفيلا.وكان تناولي لهذه الروايات فى إطار معيار الرواية القصيرة كما حددها النقاد فى الآداب الغربية وذلك من خلال الوقوف عند أبرز عناصرها الجوهرية : المحتوى والحبكة والشخصية .
وفى الخاتمة لخصت أبرز النتائج التى توصل أليها البحث وقد أعقبت كل ذلك بقائمة بالمصادر والمراجع الأساسية التي اعتمدت عليها فى صلب البحث..
وبعد، فقد أقدم الباحث على دراسة هذا الموضوع المتعددة الجوانب مدفوعاً بحماس المبتدئ، فإن كان قد قصر في أحد الجوانب، فلعل الرغبة الصادقة في البحث والمعرفة تغفر له هذا التقصير، والله الموفق.