المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رؤى وآفاق في أغراض ومعاني الشعر



سالم
11-10-2003, 02:14 PM
ليست الحبيبة هي المعنية في شعر أبي فراس الحمداني بهذه الأبيات
وليست السوداوية والعزلة هي مطلب أبو العلاء في شعره
ولنقرأ رؤى وآفاق جديدة في جمال العربية وروعتها

ولنقرأ هذا النص لأبو فراس وقد تعود الناس أن يعرفوه به يخاطب محبوبته


تسألني ما أنت وهي عليمة

.......................................... وهل بفتى مثلي على حالة نكر؟

فقلت لها : كما شاءت , وشاء لها الهوى

.......................................... قتيلك , قالت : أيهم ؟ فهم كثر

فقلت لها : لو شئت لم تتعنتي

.......................................... ولم تسألي عني . وعندك بي خبر

فقالت : لقد أزرى بك الدهر بعدنا

.......................................... فقلت : معاذ الله , بل أنت . لا الدهر



****
ينفسح أمامنا مجال لدلالات شعرية وفنية أرحب وأغنى لو أننا أخذنا بما تتضمنه القراءات المعاصرة لهذا النص الشعري من تأويله
فالتي يخاطبها أبو فراس في هذه الأبيات طبقا لهذه القراءة المغايرة ليست امرأة محبوبة وإنما هي (( الحرية )) قضيته التي تمتلك عليه ليله ونهاره وهي ترتبط بالفعل وشجاعة الحرب والقتال وتستنفره وتحركه وهو حبيس سجن الروم وهي المسئولة باعتبارها وسيلة وغاية عما آل إليه مصيره فقد كان خروجها ومن أجلها وفي سبيلها فلا مجال إذن لتهكمها به وشماتتها فيه وإعلانها أن الدهر قد أزرى به ونزل به من عال شامخ الى خافض كما قال حطّان بن المعلّى
- فهي وحدها سبب ما أصابه وما يعانيه ومن أجلها يتململ في قيوده وأثقاله وفي سبيلها يقول قرب ختام قصيدته :

تهون علينا في المعالي نفوسنا

.......................................... ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر


**
فإذا ما تركنا عالم أبي فراس – المثقل بالأثرة والمرارة والشكوى من الزمان والناس – واتجهنا الى عالم الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري الحبيس في سجون ثلاثة أشد ضراوة وهولا من سجن الروم يعبر عنها بقوله :

أراني في ثلاثة من سجوني

.......................................... فلا تسأل عن النبأ النبيث

لفقدي نظري ولزوم بيتي

.......................................... وكون النفس في الجسم الخبيث


**
هذه السجون الثلاثة لم تؤد – كما كان متوقعا – سوداوية أو غضب عارم على البشر أو مرارة تفح بسمومها في وجوه الآخرين على العكس تماما لقد طهرته من كل أوضار الحياة وأوشاب المطامع وصراخ النزوات والرغبات وجعلته أبعد ما يكون عن هوس الدنيا وفتنتها وأشد رغبة في أعزالها والنأي عن إشراكها , ولأن فلسفته العميقة المتأملة قادته الى الحقيقة الإنسانية المتمثلة في التجرد والمشاركة فقد أصبح اتساع عقله الرحب المنفتح ووجدانه الخصب الممتلئ لكل ما يشمل الآخرين سمتا من سماته الأساسية وتوجها يفيض عنه لقد كف عن نفسه طمعها فيما ليس له فكف طمع الآخر – الذي يمكن أن يكون عدوا فلم يعد يعاديه . وكأنه كان ينظر الى قول مهيار الديلمي :

ملكت نفسي منذ هجرت طمعي

.......................................... اليأس حر والرجاء عبد!


**
من هنا يجيء بيت أبي العلاء المعري في سياقه الطبيعي من قصيدته ومن فلسفة حياته :

تجنبت الأنام فلا أواخي

.......................................... وزدت عن العدو فيما أعادي

ولما أن تجهمني مرادي
.......................................... جريت مع الزمان كما أرادا

وهونت الخطوب علي , حتى

.......................................... كأني صرت أمنحها الودادا

فأي الناس أجعله صديقا

.......................................... وأي الأرض أسلكه ارتيادا ؟

كأن في لسان الدهر لفظ

.......................................... تضمن منه أغراضا بعادا

يكررني ليفهمني الرجال

.......................................... كما كررت معنى مستعادا

ولو أني حبيت الخلد فردا

.......................................... لما أحببت في الخلد انفرادا

فلا هطلت علي ولا بأرضي

.......................................... سحائب ليس تنتظم البلادا

ولي نفس تحل بي الروابي

.......................................... وتأبى أن تحل الوهادا



**
لكن جدل الأثرة والإيثار – كما يتجلى في بيتي أبي فراس الحمداني وأبي العلاء المعري – يظل جوهر الجدل الذي يواجهنا كلما تأملنا العديد من الثنائيات : الحياة والموت , الدين والدنيا , النهار والليل , و الشرق والغرب , الفقر والغنى , ووصولا الى الحجى والحظ في صياغة أبي العلاء المحكمة

عجبت من الصبح المنير , وضده

.......................................... على أهل هذي الأرض يطلعان

ولقد أخرجاني بالكراهة منهما

.......................................... كأنهما , للضيق , ما وسعاني

أشاحا فقالا – ضلة - ليس عندنا

.......................................... محل , وفي ضيق الثرى وضعاني

أيعكس هذا الخلق مالك أمره

.......................................... لعل الجحى والحظ يجتمعان ؟


**
هذه الجدلية المستمرة التي يواجهها أبي العلاء ساخرا مرة , متململا وأخرى , نافذا الى صميمها بالوعي والحكمة التي تقترب من حقيقة اليقين عندما يعلن إيمانه بالعقل وثقته المطلقة دليلا وهاديا وإماما :

يرتجي الناس أن, يقوم إمام

.......................................... ناطق في الكتيبة الخرساء

كذب الظن , لا إمام سوى العقل

.......................................... مشيرا في صبحه والمساء


*
ومن أثرة أبي فراس الى إيثار أبي العلاء يسطع عقد منظوم من تجليات الجمال في العربية إبداعا وفكرا ويمتد حبل متين من هاجس التأمل والمعاودة الى يقين الحكمة ووعي الحياة .

علي بخوش
11-11-2003, 05:54 PM
أخي الغالي سالم : والله قد وضعت يدك على الجرح، فنقدنا وقراءتنا للشعر ما تزال تخضع لهيمنة المعنى الواحد والمعنى المباشر والمعنى الظاهر ، ولم نستطع بعد أن نخلص ذائقتنا الجمالية من هذه الواحدية في كل شيء؛ ما زلنا بعد نظن أن شعراؤنا سذج وانهم لا يحسنون الغوص في اعماق النفس ، في حين ان شعرهم يمتلأ ايحاء ورمزية لمن يقرا بعمق وتان وفهم عميق ...ربما اننا نحتاج ـ أخي الغالي سالم ـ إلى إعادة قراءة تراثنا الشعري الرائع قراءة اخرى بنفس جديد وعمق اكثر واحترام اشد لهؤلاء المبدعين الذين نظلمهم في سائر نقدنا.
ليت اخي الغالي نقادنا يرجعون الى تراثنا ويعيدون قراءته من جديد ، فهو ـ في اعتقادي المتواضع ـ لم يوف حقه بعد من الدراسة والتحليل.
رائع جدا ما كتبت، وقد سعدت اخيرا حين وجدت من اشاركه الموقف والرؤية.
تقبل تحياتي .

سالم
11-12-2003, 07:08 PM
الغالي الحبيب علي
سلمك الله

من الإنصاف اليوم أن نوسع آفاق رؤيتنا لمعاني الشعر
ومن الإنصاف أن نجد في معاني شعرائنا الأجمل من أغراضهم الشعرية بعيدين عن النمطية والتقليدية
والبحث عن البعد ذو الأفق الواسع

نعم أخي الحبيب أجدني معك في رؤاك الهادفة ذات البعد والعمق
دمت لي أستاذا وصديقا محبا ...

ودام برأيك الموافق ...
عبق الياسمين زاهراً