المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية الرجل بلا ذيل



محمد غنيم
10-26-2003, 05:46 PM
حكاية الرجل بلا ذيل
عندما صحا من نومه في ذلك الصباح الجميل المشرق لم يجلس فى الحديقة كعادته فى كل صباح ، ولأول مرة جرؤ على اختراق قانون حاكم المدينة الملزم له بعدم مغادرة البيت والذي دأب على تنفيذه فى رضى وقبول تامين لمدة خمسة عشرة عاماً، بل كان يشعر فى أكثر الأحيان أن ذلك ما كان يتوق إليه ، ويسعى لتحقيقه ، خطر له أن يزور المدرسة التى كان يعمل بها ، وجاهد فى أن يتذكر اسم المادة التى كان يدرسها : حب ؟…… حرية ؟ سلام ؟ عدالة ….؟ …. خبز ؟ …. موسيقى ؟ … ؟ قلق ؟ وأنى لذاكرته أن تسعفه ومع ذلك مضى فى طريقه، بدا له أنه يعرف الطريق جيداً ولم يعترضه أحد من رجال الحاكم ، من طول ما غير الزمان شكله وهيئته ، وكان الشارع خال من المارة فسار نشوان بهذا الهدوء ، المخيم على المدينة أهي الحرية ؟ ….. الانطلاق بعد القيد ، غض نظره عما لقيه من عثرات الطريق لم يضايقه غير تلك الروائح التى كانت تنبعث من جنباته، كانت تحاصره بقوة كاد يختنق غير أنه سرعان ما بدأ يشم رائحة مختلفة ، كانت فى البدء غامضة مختلطة بتلك الروائح الكريهة وقد تكشفت له الآن رائحة جميلة ساحرة ، امرأة قادمة إذن تلك الرائحة صادرة عنها ، اقتربت منه ، يا الله ! أية من الجمال ،لوحة تشكيلية بديعية ، خليط من السحر والخيال والموسيقى والشعر ، قوام رشيق ،ووجه شفاف تذوب فيه هذه المساحيق الخفيفة فيزداد سحراً وجمالاً ، حياها بابتسامة ردت علية الابتسامة فى ثقة وامتنان وتجاوزته وكانت الابتسامة حافزاً لكي يلقى نظرة أخرى ،التفت إلى الوراء يتابعها ، لدهشة لم يصدق عينيه في البدء فعاد وأخذ يحدق من جديد ،ثم غير طريقه وأخذ يسير خلفها . من الخلف يتدلى ذيل ، بالضبط أسفل منطقة الظهر ، ذيل حقيقي ! تابع السير ،لا يزال مندهشاً تضع الذيل فى جراب من نفس قماش الجيب القصير الذى ترتديه وفى نهايته تزينه بشريط حريري أنيق .
عند ذلك الوقت كانت الحياة قد دبت فى المدينة وبدأت الشمس تتزحزح قليلاً من الركن الشرقي كما بدت أكثر حرارة وتوهجاً ، الناس يسعون إلى أعمالهم ، وقد خلعوا عن عيونهم آثار النوم وأصحاب الحوانيت يعرضون بضائعهم داخل الفترينات الزجاجية وأمام المحلات مثل كل صباح ،لكن هناك شئ عجيب يحدث فى الطريق،هذا الرجل الذي يتابع تلك المرأة فى الطريق العام ، ليس هذا هو مصدر العجب ، يريد منها موعداً غرامياً له ما يشاء ، وهو حر ، لكن أن يكون بلا ذيل ! كان هذا هو مثار الدهشة والعجب معاً لأهل المدينة ،طبقاُ لقوانين المدينة الصارمة لا يحق لأحد أن يسأله : لماذا هو بلا ذيل ،ثم أن الأمر سيكون محرجاً إذا كان له ذيل ويخفيه مثل بعض الشباب المخنث فى البلاد هذه الأيام، إذ يخفونه بربطة خلف الظهر أو بقص بعضه وارتداء السراويل الواسعة فوقه .
أما هو فكان لا يزال مندهشاً يتابع المرأة ،دخلت مبنى ضخماً ، يبدو أنه مصرفاً ، وربما كان مبنى جديداً لحاكم المدينة ، فعاد خائباً وبدأ يصطدم برجال ونساء وأطفال على نفس شاكلة المرأة ، تملكه شعور بالحيرة والدهشة واكتشف أنه غير قادر على الكلام وبدأ يجتر ذكرياته فى حديقة المنزل الجميل وخطر له أن يعود مرة أخرى إلى المنزل لكنه شعر أنه تائه وسط المدينة حتى أنه نسى خاطر العودة فأخذ يقطع الطريق بلا هدى، خطوات للأمام وخطوات إلى الخلف يسير هنا وهناك وفى النهاية يجد نفسه فى نفس المكان الذى بدأ منه وحاول أن يتذكر الطريق غير أنه تأكد من صعوبة الوصول إلى المنزل ؛ لقد نسى مكان المنزل والحديقة ، ثم بدأ يشك فيما كان للبيت حديقة ؛ أو إذا كان للحديقة بيت ؟ ثم أخيراً أنكر أنه له حديقة أو بيت ، كانت المدينة بصخبها مثل خلية النحل والشمس فوق الرؤوس متعامدة مما زاد من إحساسه بالضياع في هذه المدينة بل في العالم، أفاق علي سهام العيون تحاصره من كل جانب ، ما من رجل أو امرأة أو طفل إلا ويرميه بنظرة صامتة ولكنها نافذة ثاقبة ، ثم يسير كأن شيئاً لم يكن ، قليلون هم الذين يحدقون فيه بتأن خيل إليه أنهم رجال الحاكم ، لكنه لم يعد يتذكر جيداً وبدأ يضيق بشدة ، يلوح بيديه ، يكاد يصيح فيهم ، بل صاح بالفعل ، غير أن صوته لم يتجاوز حلقه ، أحدهم كان يحمل كاميرا، التقط له عدة صور .
في المساء كانت صورته تتصدر الصفحات الأولى للجرائد ، جرائد الصباح ، حيث تصدر فى مساء اليوم السابق كالعادة وتحت الصورة كتب بخط واضح (أعجوبة العصر … الرجل بلا ذيل ) ولما كانت الجرائد لا تباع فى المدينة ،فيمكنك أن تجدها في أى مكان ،التقط واحدة ، لم ينكر صورته ،بيد أنه لما شاهد صورة حاكم المدينة ، خيل إليه أنه كان فاقد الذاكرة وقد عادت إليه الآن فشعر بالبهجة تملأ نفسه ،وللحظة بدا أنه اكتشف كنه هذا العالم ، فتذكر اسم المدرسة والمادة التى كان يدرسها والتلاميذ الصغار الأشقياء والطيبين على السواء والأهم من ذلك تذكر موقع منزله وحديقته ،فسار في شوارع المدينة ، يكاد يرقص من الفرح ،تتصدر وجهه بسمة كبيرة ، يحمل تحت إبطه الأيمن جريدة المدينة الرسمية ، تغمر وجهه ولحيته أضواء المدينة الصاخبة ، متخذاً طريقه الذى يعرفه جيداً – إلى منزله ليستريح من عناء ذلك النهار الطويل ، وعازماً أن يعود فى الصباح ليتجول فى المدينة رغم أنف الحاكم .
في صباح اليوم التالي عاد الرجل ليتجول فى شوارع المدينة بلا خوف ، يقلب النظر فى الأشياء وفى الناس وعلى فمه ابتسامة عريضة هادئة ، وتدريجياً بدأ يألف ظاهرة الذيول فى المدينة بل بدا يقتنع تدريجياً أن الظاهرة طبيعية ، لكنه لم يمر وقت طويل على ذلك
وإذا بثلاثة رجال طوال عراض يرتدون الملابس الرسمية الثقيلة يمسكون به ويقتادونه إلي المغفر.
وهناك طلب منه الرجل الجالس خلف مكتب عريض ويرتدى نظارة سوداء قاتمة أن يخلع ملابسه كلها أمامه ، تردد قليلاً ريثما يلتقط أنفاسه فإذا برجلين من الثلاثة الذين اقتادوه إلى هناك يبطحونه أرضاً ويتركونه كما ولدته أمه ،فقام الرجل ذو النظارات من خلف المكتب وتفحصه جيداً ،ثم عاد ليجلس موجهاً إليه تهمة بتر الذيل ، وإن تلك بدعة يعاقب عليها القانون فى شريعة المدينة المقدسة ، فحبسوه ومنعوا عنه الطعام والشراب لمدة ،فنفق ومات .
د.محمد عبد الحليم غنيم

محمد غنيم
10-26-2003, 05:49 PM
الرجاء من المشرفين تصحيح عنوان القصة

العنوان الصحيح / حكاية الرجل بلا ذيل


وشكرا لكم
المؤلف

ريم
10-27-2003, 10:53 AM
أخي وفقك الله
ما يتراءى لي بالفعل أن الحاكم لم يعد يكتفي بوجود الذنب ..
بل تعدى الأمر هذا يريدون أن يكون لنذا ذيل وبلا عيون أو سمع أو أيادي

يريدوننا أكثر من الأنعام نوما وطعاما فقط

رائعة قصتك فيها حكمة لا تخفى

سالم
10-27-2003, 02:24 PM
أهلا بك أخي .. الفضل

وهي مناسبة أشكرك لما تهدينا من رائع الحرف

القصة رمزية هادفة وواقع الوطن الكبير ..
ينفق من يخرج عن طبيعة الحاكم ورأي السلطان ...

كثير من الياسمين تحية لحضورك