المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حق القارئ



علي بخوش
10-22-2003, 06:16 PM
كثيرا ما نسمع عن برامج تخصص لطلبات المشاهدين عما يحبونه من أعمال فنية متعددة؛ كالمسلسلات والأفلام والأغاني ...وغير ذلك، فتلبي تلك البرامج مبتغى المشاهدين وأمانيهم.
ولا يتوقع أن ينحو الأدب هذا المنحى، فالأديب ( الشاعر ، الروائي، القاص، الكاتب...الخ) مبدع ينطلق دون قيد أو شرط ودون أن يجعل من اهتمامه إرضاء القارئ وتحقيق احلامه.
ومع ذلك ، فالقرئ لح حق يجب أن يراعيه المبدع في كل الظروف؛ فمن حق القارئ أن يتواصل مع النص الأدبي، ومن حقه أن يتذوق ويحس بالجمال والمتعة والفائدة، ومن حقه أن يشارك المبدع في انطلاقته وسباحته وتحليقه، في فضاء النص. فالمبدع إنما يكتب للقارئ وعليه أن يحقق شرطا مهما وهو التواصل، ذلك أن بعض المبدعين ـ بدعوى الحداثة والتجريد والتغريب ...ـ يكتبون نصوصا أدبية من النوع " يوناني فلا يقرأ " . وفي هذه الحالة لا يمكن أن يتهم القارئ بعجزه وضعف خبرته الجمالية، فالمبدع نفسه هارب من التواصل والفهم. فإذا كان من حق المبدع أن يحلق ويبدع ويسبح ويعبر بطريقته الخاصة وإذا كان من حقه أيضا ألا يرضي المتلقي، فليس من حقه على الإطلاق أن يهدم كل جسور التواصل بينه وبين القارئ. فالقارئ ينشد المتعة الجمالية والتجربة الروحية ومعايشة أجواء القصيدة ووجدانها، فكيف يتسنى له ذلك إن كان النص يكتب بلغة أخرى غير اللغة التي يفترض أن تكتب بها.
ولا أدعو في هذا المقام أن ينزل الشعر والأدب إلى جمهور القراء باختلاف طبقاتهم ومستوياتهم، بل أدعو أن يرفق المبدعون بالقراء بعض الرفق يؤمنوا أن لهم رسالة ومسؤولية من خلال ما يبدعون، ولهذا عليهم أن يتواصلوا أولا مع القراء وبعد ذلك من حقهم أن يطلبوا من القراء صبرا وتأنيا وعمقا في القراءة.

علي بخوش
10-24-2003, 08:01 AM
لا أحد يطلب من المبدع أن يكتب ما يريده القارئ، ولا احد يستطيع أن يجبر المبدع على ذلك، بل لا أحد ينكر ما تشكله هذه الدعوات من خطر على الإبداع والفن.
فمن حق الشاعر ، بل من واجبه ، أن يلخص تجربته في الوجود ورؤيته الخاصة الفريدة والمميزة لهذا الكون بطريقة فنية ، ويملك الشاعر لوحده حرية التصرف والانطلاق في رسم هذه الرؤى والمواقف والتصورات والخلاصات دون أن يحق لأي ناقد أن يوقفه أو يعترض عليه.
لكن من حق الناقد ـ أو على القارئ العادي ـ أن يعترض على الشاعر حين يقرأ قصائد مبهمة لا تعبر عن أي شيء ، يبذل القارئ جهدا غير يسير لكي يلج القصيدة ، لكي يلمس محيط القصيدة فحسب، لكي يمسك بخيط واحد ـ على الأقل ـ من خيوط القصيدة ، لكي يعبر القصيدة خجلا وباحتشام، ولكن بعض هذه القصائد المبهمة لا تحقق له ذلك ، إنما تمارس نوعا من الإرهاب القرائي ـ إن صح التعبير ـ على القارئ؛ فالقارئ متلق حداثي ليبرالي إن هو أحسن التواصل مع هذه القصائد، لكنه يتحول إلى متخلف إرهابي ورجعي بدائي إن هو لم يهلل لها لأنه ببساطة لم يستطع التواصل معها.
وليت الامر مقتصر على بعض القصائد لبعض الشعراء ، لكن الأمر يتعلق بموجة أو نزعة شائعة قوية تميل إلى الغموض المتطرف والتجريد القاتل الذي يخدم قواعد الاتصال والتواصل.
ما يريده القارئ الواقعي هو ألا ينساه الشاعر فحسب، وأن يتذكره ، في لحظة الابداع..
الإبداع مسؤولية وقدرة ؛ مسؤولية حين يدرك الشاعر ـ مثلا ـ أنه نبي الأمة والمدافع الروحي عنها وأن يدرك ذلك بصدق وايمان وتجسيد..
لست اكشف سرا حين اقول ان القارئ قد فر إلى ميادين فنية اخرى غير الشعر ـ ولو أن المبدع ليس هو المتهم الوحيد ـ فعلى سبيل المثال يعرف المرء بعض الذين يحبون تتبع منابع الجمال الأدبي قد نفروا من الشعر الحداثي وحين نسالهم يقولون بعض ما يكتب أصبح كالرياضيات.
صحيح ان هذه الفئة من القراء لا تمثل كل القراء لكنها تمثل جانبا منهم على الشعراء الحداثيين أن يراعوهم.

علي بخوش
10-28-2003, 08:34 PM
يفر الكثير من القراء ـ بنسب مختلفة ـ من مجال الشعر إلى مجال النثر، فهم يجدون في الرواية والقصة وأي مقطع نثري آخر ما لا يجدون في المقطع الشعري ـ أو على الأقل هذا ما يدعيه البعض ـ والحق أن في مثل هذا الكلام جانب من الصواب؛ ذلك أن النثر مجال خصب ليفجر فيه المبدع فيه إمكانياته، ويشبه الأمر الملعب الكبير الذي يتيح للاعبي كرة القدم تفجير طاقاتهم فيه ، في حين أن الملعب الضيق أو الصغير لا يسمح بذلك، وهذا حال الشعر والنثر، فالشعر يحتاج إلى قدرة رهيبة وتمكن تام ومعرفة عميقة بخفاياه، دون أن يكون هذا مانعا من الإبداع وفق شروط معينة يحددها النظام الشعري. وهذا ما جعل البعض ـ وليس الكل ـ من المبدعين يهجرون هذا المجال ويلتحقون بمجال النثر، ولعل هذه الهجرة ولدت هجرة قرائية إلى مجال النثر بدورها.
وهذا لا يعني على الاطلاق ان النثر اسهل ركوبا واخفض درجة من الشعر ، إنما يعني ان الشعر ـ أو بعض هذا الشعر على الأقل وكما بدأ يحذر بعض النقاد ـ قد بدأ يفقد تواصله مع القراء والمتلقين، مما جعل بعض هذا الشعر لا يقرأ إلا من لدن اصحابه.

سالم
11-08-2003, 08:42 PM
الغالي علي
سلمك الله أخي الحبيب
تابعت قراءة ما تفضلت به من جميل الحروف
وأنتظر منك المتابعة ..

وعذراً من عينيك لضياع آخر ما كتبت في هذا الموضوع
لذا أتمنى أن تعيد نشر ما ذهب ولك المحبة مشفوعة بالود

علي بخوش
11-09-2003, 12:42 PM
أخي الغالي سالم يسعدني جدا تواجدك معي.
في الحقيقة اسعى إلى كتابة مقالات حول حق القارئ من خلال في مختلف الأوجه.

علي بخوش
11-09-2003, 12:46 PM
أخي الغالي سالم يسعدني جدا تواجدك معي.
في الحقيقة اسعى إلى كتابة مقالات حول حق القارئ اثناء القراءة وواجباته المختلفة.

علي بخوش
11-10-2003, 07:43 PM
ينجح المبدع ـ عند بعض النقاد ـ عندما يبرع في التواصل الكلي مع القارئ، والوصول إلى دواخل نفسه، ومخاطبة أعماقه مخاطبة لين ورفق حينا وشدة وقسوة حينا آخر، لكنها مخاطبة لا تعدم التواصل الجمالي. ومع ذلك فهذا المبدع لا يسيء إلى فنه أو يحط من قدره؛ إذ لا يعني الاهتمام بالمتلقي أن تكون غاية الشاعر ـ مثلا ـ هو أن ينزل بشعره الى مستويات قد تضر بالعملية الفنية في حد ذاتها ، إرضاء للقارئ ومحاولة للتقرب منه. فمهمة المبدع هي نقل رؤيته الخاصة وتجربته الخاصة عن الكون والوجود والحياة بشكل فني وجمالي الى القارئ، مع شرط بسيط جدا هو أن يضع المبدع في ذهنه أي قارئ يخاطب؛ فإن كان القارئ غريبا ، احسن التواصل معه، وإن كان القارئ عربيا اجاد التواصل معه ، وإن كان غير ذلك هيأ لكل مقام مقال كما يقال.
وقد يقول قائل أن التجربة الانسانية والشعورية واحدة، وهذا أمر صحيح ، لكن مستويات القراء مختلفة ، ومرجعيات القارء مختلفة؛ فالقارئ الشيوعي ليس هو القارئ الراسمالي والقارئ اليهودي ليس هو القارئ المسيحي، والمبدع هو من يحسن مخاطبة الجميع دون ان يفقد فنه مميزاته الخاصة.

علي بخوش
11-11-2003, 05:25 PM
وما دام القراء ـ على أرض الواقع ـ لا يشكلون كتلة واحدة، فإن هذا يقودنا إلى سؤال هام ألا وهو : أي قارئ يفترضه المبدع حين يؤلف عمله الإبداعي ؟
ربما من الصعب أن يجيب المرء عن هذا السؤال إجابة قاطعة حاسمة، لأن ذلك يستوجب علينا العودة إلى المبدعين وسؤالهم وهذا أمر صعب من الناحية العملية، بيد أنه من الممكن أن يستنتج الناقد بعد الدراسة والتحليل للأعمال الادبية نوع القارئ الذي ضمنه المبدع في عمله.
فبعض المبدعين يفترضون قراء مثاليين ينجز لهم العمل الفني؛ فيولد هذا العمل وهو يتضمن قارئه المثالي المحترف، وليس في هذا أي نقيصة أو عيب كما قد يظن بعض المبدعين الذين قد يشعرون بان افتراض قارئ معين اثناء الإبداع مساس بقدسية التاليف أو مس باللحظة الحاسمة في الابداع...على الإطلاق ، فإن افتراض المبدع لقارئ ماهر مثالي قد يجعله اكثر شعورا بالمسؤولية الإبداعية فنراه يجتهد ويشقى ويتعب حتى يخرج هذا العمل صادقا كل الصدق مع تجربته الفنية ، ذلك أنه يشعر دوما بثقل المهمة الملقاة على عاتقه بسبب ذلك الافتراض القرائي.
ولكن قد يميل العمل الفني الى السطحية والابتذال حين يقصر المبدع جل غايته في ارضاء ذوق القارئ ـ وقد يكون هذا الذوق غير مقبول بحكم الظروف الثقافية مثلا ـ ويفترض بذلك قارئا على درجة من السذاجة والسطحية ، فيكون عمله سطحيا ساذجا لا يسبر أغوار النفس البشرية ويكتفي بظواهر الامور. وبدل أن يعمل المبدع على رفع الذائقة الجمالية للقارئ ، نجد غاية ارضاء القارئ ودور النشر والامور التجارية عوامل تزيد من انحطاط مستوى الأعمال ودرجتها.
والحق أن القارئ سيكون شاكرا كل الشكر للمبدع الذي يجعله يشارك في بناء معنى العمل والاجتهاد على ملأ فجواته وإعادة قراءة العمل قراءة تنسجم مع تجربة القارئ نفسه، فيكون المبدع قد ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو قد أرضى حاجة الفن والجمال ولم يخضع لضغوطات جماهير القراء من جهة، ولم يهدم جسور التواصل الكلية بينه وبين القراء حين يجعلهم أطرافا مشاركة في هذه الأعمال .

علي بخوش
11-23-2003, 07:01 PM
حين يقول أحد ما بأن المتلقي قد أصبح غريبا عن القصيدة الحديثة ، فهو لا يجانب الصواب ، إنما لا يعد أن يقول الحقيقة الفعلية، وليس أدل على ذلك اقرار كثير من المبدعين والأدباء بالأزمة التي خلقتها القصيدة الحرة الغامضة؛ فقد طغت اشكالية غموض القصيدة الحديثة وما يوصف بغربتها عن المتلقي وموضوع الشكل والمضمون على مناقشات الشعراء الذين يشاركون في مهرجان الشعر العربي والفرنسي الذي أقيم في معهد العالم العربي في باريس .
فالشاعر التونسي محمد احمد القابسي الذي ادلى بشهادته حول هذا الموضوع وصف القصيدة الحديثة التي يكثر فيها الرمز والغموض بأنها لا معنى لها وهي تكتب لذاتها وليس للمتلقي وقيمة هذه القصيدة انها تكتب للشاعر نفسه ولا يفهمها احد غيره وذهب الشاعر القابسي ابعد من ذلك لكي يقول ان هذه القصيدة (لا رسالة لها) وهي بعيدة عن جمهور المتلقين واذا كانت لهذه القصيدة جمالية معينة فانها تعني كاتبها فقط.
وتساءل الشاعر عن حرية الشاعر في ان يخرج عن المألوف لينسف به الشكل السائد للقصيدة من حيث اللغة والرؤية وما هي الشروط والاسس التي يجب ان توضع لتنظيم هذه المسألة وقال يتنزل سؤال تلقي القصيدة العربية الحديثة في جوهر الحداثة الشعرية ذاتها ولعلني اراه سؤالا اساسيا يجيب الزاما على مجمل الاسئلة الكبرى المتشابكة التي تشكل سياقات القصيدة الحديثة ومنها شروط الخروج عن المألوف والسائد الى ما هو تغييري وجديد وهادم لبنى السائد التقليدي لغة ورؤية وحساسية وغير ذلك.
وقال هنالك سؤال هام يرتبط ارتباطا عضويا بسؤال التلقي ونقصد قدرة القصيدة الحديثة على الاتصال والتواصل وهنا تثار اشكالية غموض هذه القصيدة كصفة الزامية تتنزل بين المعاضلة والابهام.
في حين عارض البعض هذا الرأي.
المصدر ( http://www.alwatan.com/graphics/2003/03mar/16.3/heads/ct10.htm

علي بخوش
11-24-2003, 10:30 AM
وهذا يعني أن الذي يدعي بأن القارئ قد أصبح في حيرة من أمره تجاه ما يرى من أمر هذه القصيدة الحديثة فهو لا يبالغ كثيرا ولا يجاوز الحق، وإذا كان رأي بعض الشعراء كما عرضناه، فإن بعض كبار النقاد قد دقوا ناقوس الخطر؛ فهاهو الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل يقول إن أبرز ظاهرة خطيرة في مسار الحركة الشعرية خلال القرن العشرين تمثلت في سرعة الإيقاع بصورة جعلت المناهج الدراسية عاجزة عن متابعتها، كما قعدت بمتذوقي الشعر عن متابعة ما ينتجه الشعراء.
وهذا ما جاء ذلك في كتاب جديد لصلاح فضل عنوانه "تحولات الشعرية العربية" صدر عن دار الآداب في بيروت وجاء في 167 صفحة من القطع المتوسط.

وأشار فضل ـ في كتابه ـ إلى أربع ثورات شعرية متتالية في مسافات قصيرة تاريخيا قصرت الملاحقة التعليمية في مناهج الدراسة عن متابعتها ولم تستطع اللحاق بها ملمحا خصوصا إلى خطورة كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي.
ويلفت الانتباه إلى العامل "الذي يسهم في الشعور بدوار السرعة المتلاحقة وتداخل الفترات الزمنية إلى حد تجاوز العصور والأزمنة وبروز الجيوب الجانبية المتضخمة" وهو يعني بذلك ما أسماه كثرة اختراقات النماذج الأجنبية للشعر العربي بما يتجاوز قدرة القارئ على التمثل الناضج لشعره القومي أو الربط المنسجم بين حلقاته حتى لتبدو بعض النصوص الشعرية الأخيرة وكأنها ترجمات ركيكة قادمة من قارات أخرى وثقافات مضادة. ( من مصدر : http://www.aljazeera.net/art_culture/2002/1/1-16-4.htm)
فإذا كان الحال كذلك ، فإن المبدعين مطالبون بالفهم العميق ليس لإبداعاتهم وأعمالهم الفنية فحسب، ولكن مطالبون بالوعي العميق لجمهور قرائهم ثقافته وايديولوجيته وآلامه الداخالية والنفسية ...ليس هذا أمر يطبق ، بل هو رجاء القارئ وأمنيته في أن يقرأ شعرا أو رواية أو أي عمل آخر ..فيحس أنه يقرأ عملا يحدثه هو بلغته ، لا بلغات الآخرين .

علي بخوش
11-24-2003, 10:47 AM
إن القارئ الموجود على أرض الواقع ليس قارئا واحدا بعينه، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان، لكن المبدع حين يؤلف عمله في لحظة زمانية ومكانية معينة وفي بيئة معينة وفي ظروف ثقافية وحضارية معينة، يفترض قارئا ينتمي الى هذا الواقع، لا إلى واقع آخر غريب، ومن حق المبدع أن يقول إنه لا يبتغي محاكاة الواقع وأنه يروم التغيير والتمرد والثورة..وهذا حق من حقوقه، لكن هذا التغيير لن يتم ما لم يع المبدع واقع قارئه، فيتواصل معه أولا ثم يزلزل كيانه ويؤثر فيه ويهز وجدانه ومعتقداته وما شاء من ضروب التغيير الفني. وحين نطالب ـ كقراء ـ المبدعين ان يراعوا هذا الجانب، لا نفعل شيئا سوى أننا نعبر عن وجودنا وكياننا وحقنا في المشاركة والفهم والتذوق. فإذا كان المبدع يعترف لنا بهذا الحق، فله أن يستجيب إلى جزء يسير من مطالبنا الكثيرة، وهو أشد المطالب أهمية ، ونقصد به الفهم ( بمعناه الفني ).
ثم بعد ذلك من حق المبدع ان يختلف مع القراء ويتصارع معهم فيرفض ما يرفض ويلبي ما يلبي، وفي هذا التصارع والاختلاف والاحتدام ينشأ الفن الخالص، وفي غمرة الخلاف تظهر القرائح ويشتد عود الأدب. أما أن يظل بعض الإبداع غامضا بحيث لا يثير سخطا أو رضى أو إعجابا أو تذوقا ، بل هو لا يثير أي شيء ، لأن القارئ لم يجد فيه أي شيء ولم يلمس له اي معنى فهذا ما يجعل حال الإبداع لا يخط لنفسه سبيلا لأنه بقي رهين جماعة من المبدعين ارتضوا لأنفسهم العيش في صومعتهم معتزلين الناس نافرين منهم يقولون كلاما لا يفهمه سواهم. فلينزل هؤلاء من الصومعة وحينها ربما قد يغيرون رايهم ـ أو بعضا منه ـ في القراء وقد يجدون من يقرا لهم ويتاني في القراءة ويفهم ويتذوق ويتاثر ويشارك في الفهم والتذوق.

علي بخوش
11-25-2003, 04:34 PM
الغموض في الشعر سمة من سماته البينة، والغموض حين يوظف بشكل متقن وسليم يجعل القارئ مشاركا في النص مجتهدا لدخوله ، حريصا على فهم واستعياب تجربة الشاعر المبدع.
لكن الغموض حين يصير تقليدا اعمى ومركبا يعمد اليه من لا يحسنه ولا يجيده، يوقع الشعر والشاعر والأدب في شرك الرداءة والابتذال.
والقارئ العادي حين يكون بصدد قراءة قصيدة غامضة يكون بين أمرين إثنين؛ فإن كان من الذين يتخيرون النصوص السهلة اليسيرة والادب الخفيف الذي لا يكلف النفس والفكر جهدا ومشقة، انصرف عن القصيدة ساخطا متبرما معلنا ياسه من الفهم والتواصل. وإن كان ممن يعشقون اقتحام الصعاب وفهم الالغاز والالحاح على تذوق كل ما يستغلق على الذهن والعقل، فإنه يشحذ عزيمته وقريحته وذوقه وبصيرته لعل النص يفتح له ابوابه.

محمد أمين جعفر
11-30-2003, 09:38 AM
بسم الله الرحمان الرحيم
أخي وصديقي العزيز علي:
وددت من خلال هذا الركن المتميز "حق القارئ" أن أشير إلى الجهد الكبير الذي بذله الأخ علي في هذا المضمار "التلقي" وإلى الإنطلاق الايجابي الذي تميز به علي في كتاباته الجديدة التي ما فتأت أن كونت لنفسها إسما بين عشرات الدراسات المتناثرة هنا وهناك فأعمالك صارت بلا شك قدوتنا وإصرارك على التفوق يزيدنا غبطة وسرورا ولهذا أقول لعلي دمت اخا ، كاتبا ، ناقدا وننتظر منك المزيد

علي بخوش
11-30-2003, 11:00 AM
أستاذي محمد أمين جعفر :
يسعدني جدا أن أرى ـ أخيرا ـ قلمك يشاركنا في هذا الدرب الجميل، بعد أن افتقدناه زمنا طويلا ، ويسعدني أكثر ـ استاذي الفاضل ـ أن مشاعرك تبلغني دوما بحسنها وجمالها ...
بيد أني حزين ـ أستاذي العزيز ـ لأنك قليل الظهور بيننا.
دمت أخا وصديقا وما زلت شديد الحاجة إلى " روحك المعنوية " القوية .

علي بخوش
12-04-2003, 06:28 PM
الغموض سمة الشعر الحديث والمعاصر، وهي سمة حسنة إن هي وظفت على نحو تخدم النص وجماليته، وتجعل القارئ الذي يسعى لولوج هذا الغموض يخرج راضيا مغتبطا وقد حمل معه نتائج جهده وتعبه.
يحتاج القارئ إلى خطوات ليضيء النص ويفك غموضه؛ فلا يستطيع قارئ ـ مهما أوتي من المهارة والحذق ـ أن يقرأ النص مرة واحدة ، فيفك أسراره والغازه، وإنما هو مضطر إلى قراءات متعددة. فتكون أولى خطوات إضاءة الغموض هو الاجتهاد في قراءة النصوص قراءات عدة. وينبغي أن تكون هذه القاراءت متأنية هادئة؛ فالقارئ لا يقرأ ليملأ فراغه أو يرفه عن نفسه فحسب، بل هو يقرأ ليعيش تجربة المبدع، أو على الأقل يلمس تجربة المبدع ورؤيته.
والتأني يتاتي من العادة والدربة على القراءة والاصرار على النصوص المستغلقة الصعبة التي لا تفرش للقراء طريقا من الورد، فعلى القارئ أن يتخير النصوص العسيرة على الفهم ، وأن يجتنب النصوص التي تدعو إلىالدعة والطمأنينة والرضا والسهولة في القراءة؛ فكلما كان النص صعبا عسيرا قلقا باعثا على الشك والتفكير اجتهد القارئ في إعمال فكره وتنشيط ذهنه وملكته، فيكون بذلك قد افاد ملكته وذوقه وعقله، وافاد النص الأدبي بأن عمل على فك اسراره وما استغلق عليه.

علي بخوش
12-06-2003, 06:14 PM
والقارئ المحترف هو من يصبر على النص ويلح في هذا الصبر؛ ذلك أن بعض النصوص الغامضة تستمد جمالها ورونقها من ذلك الغموض الذي يمثل غموض النفس الانسانية وحيرتها ونشدانها النور والحق. لكن النص الغامض لا يجب أن يبق كذلك، لهذا فإن صبر القارئ واجتهاده في دخول النص بتان وهدوء وثقة وباتباع مراحل متتابعة تمكنه من فك مغاليق النص.
والحق أن لحظات فك هذا الغموض هي أمتع وألذ اللحظات في القراءة. فالقارئ عادة ما يقول : "يا لهذا المبدع ، أهذا ما يريده ، وأخيرا فهمت " نعم فأول ما يستلذه القارئ هو الفهم بعد مشقة الصبر عليه . وليس يعني هذا أن ما فهمه القارئ حقا هو ما كان يقصده المبدع، فهذا لا يتاتي مع كل القراء واختلاف مستوياتهم، إنما يكفي أن يشارك القارئ في بناء معنى خاص له ، بناء على خلفيته الثقافية والاجتماعية والدينية . بيد أنه يشترط في هذا المعنى الذي يخرج به القارئ من فك الغموض هو ألا يكون عبثا أو خروجا تاما على حدود النص؛ ذلك أن النص يضع قرائن وعلامات هي أشبه بالمنارات التي تمنع القراء من الضياع والتيه وسط بحار النصوص وأعماقها. والقارئ الكفء هو من يجعل لنفسه قيدا يمنعه من التعسف في تحليل وإدراك وتذوق النصوص.

علي بخوش
12-08-2003, 06:45 PM
ولحظات الغموض قد تكون طويلة وقد تكون قصيرة الأمد، والامر هنا يتعلق بكفاءة القارئ ومقدرته وثقافته، فإذا كان القارئ ذو ثقافة متينة عميقة قوية، فإن غموض النص سيصير جلاء، بل إن هذا القارئ قد يلتحم مع النص إلى حد ينسى صاحبه ومبدعه، وقد يجعله هذا ياول النص تاويلا خاصا به حتى تنسجم طروحات النص مع طروحاته الشخصية . وقد يسعى القارئ إلى معايشة النص معايشة شديدة قوية حتى انه يعيد بناء تشكيله الداخلي ويعيد بناء علاقاته الداخلية ويعيد تشكيل معانيه تشكيلا يتلائم مع هذه الثقافة. أما إذا كان القارئ ذا ثقافة متوسطة فإنه يحتاج إلى فهم النص وفك غموضه فحسب، وهذا القارئ إن فعل ذلك، فهو قد نجح في قراءة النص، فهو ليس مطالبا بمعايشة اجواء النص والالتحام باجزائه.

سالم
12-09-2003, 01:14 PM
معك أخي علي
أتابع ونالبع هذا الموضوع الهام والمثير

يبقى هو حق القارئ
ويحضرني سؤال على هامش عرضك الجميل ..
من يرى حق القارئ ؟ ومن يحفظه له ؟
كثيرا ما نسمع عن كتاب الرواية تعبير سيرة ذاتية هل يختلف هذا أو يتعارض مع حق القارئ ، من حيث هي حرية الكاتب الخاصة أيضا؟

لك محبتي وشكري وشوقي أخي علي
12

علي بخوش
12-09-2003, 02:18 PM
أخي الغالي سالم : اشكر لك كل الشكر اهتمامك وحضورك المتجدد معنا.
قد سالت أخي سؤالا هاما ؟ ولم يمكنني سوى أن اجيبك بأن الكاتب حر غاية الحرية وهو أعرف بحريته ، والحرية التزام ومسؤولية في رايي ، ومادام الامر كذلك يمكن للكاتب ان يخدم القارئ في ضوء هذه الحرية .
أما القارئ الذي اقصده بهذا المقال ، فهو القارئ الذي بدأ يتململ من بعض المبدعين والشعراء والكتاب، فأحببت أن انقل رسالة هذا القارئ ـ الموجود على أرض الواقع ـ واسعى للدفاع عما اراه حقه الذي ينبغي ان يراعى. ولا ادعي هنا اأن ما اقوله هو حق كله . إنما حاولت أن أنقل الاهتمام الى طرف المتلقي الفعلي. الذي ارى انه قد اهمل اهمالا بالغا في العملية الابداعية عند البعض. وارجو مخلصا أن اوفق في بعض ما اسعى اليه .
واجدني اخي الغالي سالم ممتنا لك دوما على حرصك ورحابة صدرك . ودمت اخا وحبيبا .

علي بخوش
12-24-2003, 01:22 PM
حين يتحدث أحدنا عن حق القارئ؛ فهو لا يريد أن يملأ وقتا، أو يكتب من أجل الكتابة، إنما ه; تعبير عن أزمة حقيقية يعيشها الشعر العربي المعاصر. أزمة قد تعصف بالشعر وتجعله فنا يتسامر به جماعة من الرهبان في صومعتهم، بدل أن يكون شعرا يلقى الى الجمهور ، فيقبلون منه ما يقبلون ويسخطون على ما يسخطون. وبدل أن يكون رسالة هادفة ونبيلة وراقية.
وهذه الأزمة قد أشار إليها كثير من النقاد والادباء والمثقفين ، ودقوا "ناقوس الخطر" على المتلقي العربي ـ أو ما بقي منه ـ فهذا الناقد صلاح يقول " إن أبرز ظاهرة خطيرة في مسار الحركة الشعرية خلال القرن العشرين تمثلت في سرعة الإيقاع بصورة جعلت المناهج الدراسية عاجزة عن متابعتها، كما قعدت بمتذوقي الشعر عن متابعة ما ينتجه الشعراء"1 . وهذا الشاعر التونسي محمد احمد القابسي يرى أن "القصيدة الحديثة التي يكثر فيها الرمز والغموض ... لا معنى لها وهي تكتب لذاتها وليس للمتلقي وقيمة هذه القصيدة انها تكتب للشاعر نفسه ولا يفهمها احد غيره"2 . وهذا الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي يصرح قائلا : "نحن نرى فوضى شديدة في الحياة الشعرية، نحن نسمع عن شعراء يقال لهم: شعراء كبار. الشاعر الكبير فلان، مع أننا لم نقرأ له شيئاً، ويصح أن نقرأ له شيئاً فنستغرب أن يكون له هذا الشعر ويكون له هذا اللقب"3.
1 ـ http://www.aljazeera.net/art_culture/2002/1/1-16-4.htm
2 ـ http://www.alwatan.com/graphics/200.../12/12-17-7.htm

علي بخوش
08-01-2004, 03:29 PM
إن هذه الفوضى المنتشرة لا تبشر بخير ، فالأدب الذي لا حظ له من التغيير وقت الأزمات لا حظ له من الحياة ، وليس التغيير بالضرورة أن يشارك الأدب بصورة مباشرة، اذ ليست هذه وظيفته ، بل هو يستطيع ان يتشكل في عدة اشكال وان يلجأ إلى جميع الطرق للتغيير ، المهم ان يكون الأدب في ظل هذه الظروف ادبا نهضويا تغييريا ولن يكون هذا عيبا فيه على الإطلاق .
واعلم ان بعض النقاد لن تعجبه هذه الرؤية ، وهذا امر طبيعي إن كان هذا الناقد يستند إلى معايير نقدية غربية ، لكن الادب العربي الحقيقي لا يحتاج بالضرورة أن يكون ادبا مستجيبا للقوانين الغربية إنما يحتاج أن يكون ابن لحظته الحضارية ، فكلما استطاع الأدب أن يعبر بصدق فني وجمالي عن عصره كان ادبا خالصا.