المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من وحي قصيدة "استريحي"



علي بخوش
08-02-2003, 01:25 PM
استريحي
لم يبقى للدور بقية
انتهت كل فصول المسرحية
فامسحي زيف المساحيق..


الشاعر المصري الراحل أمل دنقل شاعر جديد مجدد في الحركة الشعرية العربية. القارئ لقصائده يجد فيها متعة ولذة وجمالا من اي المستويات التي أحب أن يتلقى القصيدة بها، فإن أحب الانسياب الشعري وجده سلسا جذابا عند امل،، لا يحس فيه بالصنعة والتكلف، بل إن انسياب بعض الابيات يصبح مثيرا ليس لغرابته وإنما لتآلفه مع النفس، إذ تتحد الذات القارئة مع هذا الانسياب حتى تلج منطقة الإشباع الشعري ـ إن صح التعبير ـ ، وإن اراد المتلقي أن يتلقاها على مستوى الإيقاع فإنه يجد أمامه قصائد تبدو ظاهرا كأنها تفتقد إلى الإيقاع الشعري، في حين أنها ذات إيقاع لا ينسجم مع الإيقاع المادي الحسي فحسب، بل يتجاوزه إلى الإيقاع الروحي الداخلي، وكمثال على ذلك أورد هذا المقطع الرائع من قصيدة "استريحي" الجميلة، ذات الإيقاع الخلاب، فهي تبدأ بلفظة واحدة عامة وشاملة وجرسها يميل إلى الإقرار النهائي والحاسم الذي لا يقبل التراجع :

استريحي ..
هذه اللفظة تبدو وأنها تختصر القصيدة برمتها بيد أن المتلقي يميل بطبعه إلى التطفل ومعرفة سر هذه اللفظة الوحيدة في السطر الشعري وسبب قوة جرسها وحسمها للأمر منذ البداية.
فلا يتأخر الشاعر في الإجابة بطريقته الخاصة؛ فهو يرفع من سرعة الإيقاع ليزيدنا شغفا وولها بالقصيدة كانه يهيئ لنا فخا ليوقعنا فيه، أقول أن الشاعر يرفع من ريتم الإيقاع ولا يكتفي بلفظة واحدة كالسطر الأول :

لم يبق للدور بقية
ومع أن القارئ لا يجد هذا الإيقاع الذي نتحدث عنه في السطر الثاني، وإن وجد فيه جمالا مخفيا، ذلك أن الشاعر يريد للسطر الثالث ان يكون محددا للإيقاع النهائي الذي يظهر روعة البناء وإحكامه ، فيفعل ذلك مع تشويق مبطن، فهو ما يزال يرفض البوح عمن يوجه له الخطاب ، ويقول وقد رفع سرعة وقوة وجاذبية الإيقاع إلى الدرجة القصوى ، حين يقرر بحزم وقسوة :

انتهت كل فصول المسرحية
يشعر القارئ بنوع من الراحة الإيقاعية، ولكنها تلك الراحة التي تطلب مزيدا من المتعة واللذة المتعلقة بالقراءة ، فينسجم إيقاع القصيدة مع إيقاع القارئ الداخلي فلا يحس إلا وهو متحيز للشاعر متعلق بآرائه وفكره حتى وإن كانت لا تطابق أفكاره وأهوائه...
هذا ما أوحاه لي هذا المقطع وانا اقرأ فيه، ولا يمكنني أن أزعم على الإطلاق أن الإيقاع يمكن أن يفصل على المعنى بحال من الأحوال، إنما الحال أن هذه المستويات التي يقرأ بها المتلقي تسير جنبا لجنب لتصنع جمال القصيدة.

مجدولين
08-02-2003, 02:06 PM
ليتك وضعت لنا القصيدة كاملة هنا لنندمج في جوها .....ونستمتع بالأبيات والتحليل ..
وتحليلك للمقدمة جميل فعلا ...

هلا أكملت ..!

سالم
08-05-2003, 07:36 PM
لكني أجد في هذه المقدمة قصيدة كاملة


صدقت أخي علي

يبقى أمل دنقل الشاعر الذي لن يموت .

أنضم لمجدولين بطلب أن تفيض علينا بهذا الشاعر مزيد أخي الغالي علي

12

علي بخوش
08-06-2003, 07:07 PM
أختي الكريمة مجدولين، كنت أنوي فعل ذلك فغلبني إيقاع القصيدة فاكتفيت بالمقدمة الجميلة. والقصيدة رائعة كلها ويجذبني إليها كثيرا هذا الإيقاع الداخلي الجميل الذي يثير في النفس متعة خالصة لا أستطيع أن اتبين بالضبط مصدر عذوبتها.
أشكرك جزيل الشكر.

أخي الحبيب سالم، صدقت ، فالمقدمة لوحدها يمكن أن تصنع قصيدة كاملة ..اشتقنا إلى حديثك ايها الغالي.
وها هي القصيدة كاملة :

استريحي

ليس للدور بقية

انتهت كل فصول المسرحية

فامسحي زيف المساحيق

ولا ترتدي تلك المسوح المريمية

واكشفي البسمة عما تحتها

من حنين ..واشتهاء ..وخطية

كنت يوما فتنة قدستها

كنت يوما

ظمأ القلب ..وريه

لم تكوني أبدا لي

إنما كنت للحب الذي من سنتين

قطف التفاحتين الحلوتين

ثم ألقى

ببقايا القشرتين

وبكى قلبك حزنا

فغدا دمعة حمراء

بين الرئتين

وأنا قلبي منديل هوى

جففت عيناك فيه دمعتين

ومحت فيه طلاء الشفتين

ولوته..

في ارتعاشة اليدين

كان ماضيك جدارا فاصلا بيننا

كان ضلالا شبحية

فاستريحي

ليس للدور بقية

أينما نحن جلسنا

ارتسمت صورة الآخر في الركن القصي

كنت تخشين من اللمسة

أن تمحي لمسته في راحتي

وأحاديثك في الهمس معي

إنما كانت إليه..

لا إلي

فاستريحي الآن

لم يبق سوى حيرة السير عن المفترق

كيف أقصيك عن النار

وفي صدرك الرغبة ان تحترقي؟

كيف أدنيك من النهر

وفي قلبك الخوف وذكرى الغرق؟

أنا أحببتك حقا

إنما لست أدري

أنا ..أم أنت الضحية؟

فاستريحي، ليس للدور بقية

**الشاعر المصري الراحل : أمل دنقل

بسمة
08-09-2003, 09:43 AM
أخي العزيز جدا
علي بخوش، كم أستمتع برؤياك النقدية، فأنت مثال القارئ الرائع، الذي لا يكتفي بقراءة الحرف و حسب، و إنما يحاول ان يغوص حتى قلب النص و كاتبه..!

لطالما اشتركنا في عشق أمل دنقل..
انا التي اظن نفسي اقرأ له كثيرا، في كل مرة أجدني مازلت في البداية خاصة حين اقرأ نقدك.....

سلمت و دمت لنا أديباً ناقداً رائعاً
دمتَ بود

بسمة
32

أسعد
12-14-2003, 09:38 AM
لا اجد تعبيرا تعليقيا مناسبا يليق بهذه المساهمةسوى القول
< أكثر من ررررررررررررررررررررررائعة >
أتمنى منك المزيد يا علي 10

علي بخوش
12-16-2003, 10:00 AM
أختي الغالية بسمة : لا أجد تعليقا مناسبا على ما خطت يداك ، لكنني أكتفي بالقول بأنني عرفت أمل أكثر من خلالة أنت.
أخي المحترم القوقل : اسعدني جدا هذا الثناء الذي اطربتني به .
ممتن لك أخي كل الامتنان.

amir_egdan
12-23-2003, 07:14 PM
ديوان (مقتل القمر ) كله - الذى يضم هذه القصيدة
هو عبارة عن نبع رقة متدفق للعظيم امل دنقل
من يقرأ هذا الكم من المشاعر لا يتخيل ان كاتب هذه السطور هو نفسه من كتب لاتصالح والكعكة الحجرية وغيرها

علي بخوش
12-23-2003, 07:37 PM
صحيح أخي المحترم أمير: من يقرأ هذه القصيدة يستغرب أن يكون صاحبها هو نفسه من كتب لا تصالح و البكاء بين يدي زرقاء اليمامة.
يبقى أمل من الشعراء الذين أهملت دراستهم كثيرا في الوطن العربي، وربما كانت هذه السنوات والأزمات فرصة لنا لنستعيد استحضار أمل من جديد.
اشكر لك جميل حضورك معنا أخي أمير.

amir_egdan
12-24-2003, 09:49 AM
اولا اشكرك انا يا على
على اهتمامك بالشاعر الذى عشقته من اول كلمة قرأتها له
واعتقد سيدى ان عدم الإهتمام بأمل دنقل جاء لأنه جلد واقعنا بلا رحمة
وهذا يظهر فى قصيدته زرقاء اليمامة التى كتبت بعد النكسة والكعكة الحجرية الذى كتبت اثناء مظاهرات طلبة الجامعة المصرية فى عام 1971

وغالبا ما نهتم نحن بالجانب السياسى والوطنى فى شعر امل دنقل لذلك تجد ان اكثر قصائده شهرة هى ( لاتصالح) او الوصايا العشر
لكن هذا لا يمنع ان الجانب الوجدانى الآخر من اروع ما يكون
ويتلخص هذا الجانب فى ديوان مقتل القمر
واخر اوراقه (اوراق الغرفة 8)
رحمه الله

علي بخوش
12-24-2003, 01:33 PM
صحيح اخي أمير ، لقد كان امل يجلد واقعنا دون رحمة، وربما كان هذا احد أسباب تهميشه واهماله.
ما يشدني كثيرا ـ وانا من المعجبين به كثيرا ـ إليه هو ان شعره يتسم بالأنفة والرفض وعدم الحضوع..في شعره خصائص نفتقدها كثيرا في ايامنا هذه : شعر رافض ، لا يقبل الانصاف الحلول، شعر فاضح ، كاشف ..,وأهم ميزة في كل ذلك ، أن أمل ينجح وببراعة في التواصل مع القارئ أيا كان مستواه، وهو ما يميزه عن كثير من الشعراء.
بالمناسبة أخي امير : في ديوان أوراق الغرفة 8 ، يصبح الشاعر اكثر شفافية ..ويبرز ذلك في حواره مع الجماد في كثير من قصائده.
تحياتي لك اخي امير .

amir_egdan
12-24-2003, 06:48 PM
وجدت انه من الأفضل عرض بعض القصائد الكاملة من ديوان مقتل القمر لتساعدنا فى المناقشة
وسأحاول لاحقا ان اعرض قصائد اخرى للشاعر من دواوين اخرى حتى يتضح التباين بين امل الذى كتب مقتل القمر وامل صاحب الوجه الآخر
اما عن هذه القصيدة فهى قصيدة ماريا وهى تحوى الأبيات التى يضمها توقيعى
ملحوظة لصديقى على : اريد ان اقرأ ما يخطه قلمك عن هذه القصيدة الجميلة لو سمحت

ماريّا , ياساقية المشرب
الليلة عيد
لكنّا نخفى جمرات التنهيد
صُبِّى النشوةَ نخباً نخبا
صُبِّى حبا
قد جئنا الليلة من اجلِك
لنريح العمر المتشرد خلف شعاع الغيب المهلك
فى ظل الأهداب الإغريقية
ما احلى استرخاءة حزن فى ظلِّك
فى ظلِّ الهدب الأسود
...................
- ماذا ياماريّا ؟
- الناس هنا كالناس هنالك فى اليونان
بسطاء العيشة , محبوبون
لا ياماريّا
الناس هنا – فى المدن الكبرى – ساعات
لا تتخلف
لا تتوقف
لا تتصرف
آلات آلات آلات
كُفى يا ماريّا
نحن نريد حديثاً نرشف منه النسيان
................
ماذا ياسيدة البهجة ؟
العام القادم فى بيتى زوجة؟
قد ضاعت ياماريا من كنت اود
ماتت فى حضن آخر
لكن ما فائدة الذكرى
ما جدوى الحزن المقعد
نحن جميعاً نحجب ضوء الشمس ونهرب
كُفّى يا ماريا
نحن نريد حديثاً نرشف منه النسيان
...............
قولى يا ماريّا
اوَما كنتِ زماناً طفلة
يُلقى الشعر على جبهتها ظله
من اول رجل دخل الجنة واستلقى فوق الشطآن
علقت فى جبهته من ليلك خصلة
فضَّ الثغر بأول قبلة
اوَما غنيت لأول حبّ
غنينا ياماريا
اغنية من سنوات الحب العذب
..................
ما احلى النغمة
لتكاد تترجم معناها كلمة .. كلمة
غنيها ثانيةً . غنى
( اوف .
لا تتجهم
مادمت جوارى , فلتتبسم
بين يديك وجودى كنز الحب
عيناى الليل ووجهى النور
شفتاى نبيذ معصور
صدرى جنتك الموعودة
وذراعاى وساد الرب
فتبسم للحب , تبسم
لا تتجهم
لا تتجهم)
.....................
مادمت جوارك يا ماريا لن اتجهم
حتى لو كنت الآن شباباً كان
فأنا مثلك كنت صغيراً
ارفع عينى نحو الشمس كثيراً
لكنى منذ هجرت بلادى
والأشواق
تمضغنى , وعرفت الإطراق
مثلك منذ هجرت بلادك
وانا اشتاق
ان ارجع يوماً للشمس
ان يورق فى جدبى فيضان الأمس
....................
قولى يا ماريا
العام القادم يبصر كل منا اهله
كى ارجع طفلاً وتعودى طفلة
لكنا الليلة محرومون
صُبِّى اشجانك نخباً نخبا
صُبِّى حبا
فأنا ورفاقى
قد جئنا الليلة من اجلك