رسائل الحب بين جبران خليل جبران

ومي زيادة حب فريد

إن الحب الذي نشئ بين جبران خليل جبران ومي زيادة حب فريد لا مثيل له في تاريخ الأدب وسير العشاق.

ولقد استمرت العلاقة بينهما عشرين عاماً دون أن يلتقيا إلا في علم الفكر والروح.

وكيف يلتقيان؟ وبينهما سبعة آلاف ميل.. ومع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين.

      نما حبهما عبر مراسلة أدبية طريفة ومساجلات فكرية وروحية ألفت بين قلبي الأدبيين.

وعلى الرغم من كل ما كتب عن علاقات جبران الغرامية بعدد من النساء أمثال ((ماري هاسكل)) و ((ميشلين))، فإن حبه لمي كان الحب الوحيد الذي ملك عليه قلبه وخياله.

أما هي فمع خفرها وتحفظها فقد صرحت عن حبها لجبران في مطلع رسالة 21 أيار 1921

حيث قالت: ((أحبك قليلاً، كثيراً، بحنو، بشغف، بجنون، لا أحبك))...

 

********

 

      وفيما يلي رسالتين الأولى من مي إلى جبران والثانية من جبران إلى مي.

وفي رسالة مي وجدانية صافية: فبعد أن انتظرت دون جدوى حضور جبران إلى القاهرة

وكانت قد تجاوزت الخامسة والثلاثين من العمر، لملمت كل شجاعتها،

وكتبت له أجمل رسالة حب:

 

**************

التصريح بالحب

    ...جبران!

لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتحايد كلمة الحب.

إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ودعواه في المراقص والاجتماعات،

ينمي الحب في أعماقهم قوة ديناميكية قد يغبطون الذين يوزعون عواطفهم في اللألأ السطحي لأنهم لا يقاسون ضغط العواطف التي لم تنفجر،

ولكنهم يغبطون الآخرين على راحتهم دون أن يتمنوها لنفوسهم، ويفضلون وحدتهم،

ويفضلون السكوت،

ويفضلون تضليل القلوب عن ودائعها،

والتلهي بما لا علاقة له بالعاطفة.

ويفضلون أي غربة وأي شقاء (وهل من شقاءٍ في غير وحدة القلب؟) على الاكتفاء بالقطرات الشحيحة.

      ما معنى هذا الذي أكتبه؟

إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب.

أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب الكثير.

الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير.

كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري.

الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كانت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى.

      حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية..

أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب.

إن القديس توما يظهر هنا وليس ما أبدي هنا أثراً للوراثة فحسب، بل هو شيء أبعد من الوراثة.

ما هو؟

قل لي أنت ما هو.

وقل لي ما إذا كنت على ضلال أو هدى فإني أثق بك..

وسواء أكنت مخطئة أم غير مخطئة فإن قلبي يسير إليك، وخير ما يفعل هو أن يظل حائماً حواليك، يحرسك ويحنو عليك.

      ... غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة واحدة هي الزهرة، آلهة الحب،

أترى يسكنها كأرضنا بشر يحبون ويتشوقون؟

ربما وجد فيها بنت هي مثلي، لها جبران واحد، حلو بعيد هو القريب القريب.

تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء، وتعلم أن الظلام يخلف الشفق، وأن النور يتبع الظلام،

وأن الليل سيخلف النهار، والنهار سيتبع الليل مرات كثيرة قبل أن ترى الذي تحب، فتتسرب إليها كل وحشة الشفق، وكل وحشة الليل، فتلقي بالقلم جانباً لتحتمي من الوحشة في اسم واحد: جبران)).


 

من جبران إلى مي

نيويورك 26 شباط 1924

 نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة،

وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية،

أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه،

وأحب سكوته العميق.

وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً،

ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة.

أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد،

ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع.

ما ألطف من قال:

يا مي عيدك يوم
 

 

 

وأنت عيد الزمان
 

      انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة،

عندما بلغت هذه الكلمة ((رفيقة)) ارتعش قلبي في صدري،

فقمت ومشيت ذهاباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقه.

ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين!

وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب!

إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة.

 تقولين لي أنك تخفين الحب.

لماذا تخفين يا صغيرتي؟

أتخافين نور الشمس؟

أتخافين مد البحر؟

أتخفين مجيء الربيع؟

لماذا يا ترى تخافين الحب؟

 أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني،

أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل.

نحن نريد الكثير.

نحن نريد كل شيء.

نحن نريد الكمال.

أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول،

فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي،

علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة،

ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.

 اسمعي يا ماري:

أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت.

وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة،

فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار

وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟

      والآن قربي جبهتك.

قربي جبهتك الحلوة – ………………والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة.

جبران

 

لا بأس – على أنني أخشى بلوغ النهاية قبل الحصول على هذا الشرف وهذا الثواب.

  لنعد هنيهة إلى ((عيدك))

أريد أن أعرف في أي يوم من أيام السنة قد ولدت صغيرتي المحبوبة.

أريد أن أعرف لأني أميل إلى الأعياد وإلى التعييد.

وسيكون لعيد ماري الأهمية الكبرى عندي.

ستقولين لي ((كل يوم يوم مولدي يا جبران))

وسأجيبك قائلاً: ((نعم، وأنا أعيّد لك كل يوم، وكان لا بد من عيد خصوصي مرة كل سنة)).